فطيمة فوزي، عضو الكتابة الوطنية لنساء فيدرالية اليسار الديمقراطي
في حوار مع فطيمة فوزي، عضو الكتابة الوطنية لنساء فيدرالية اليسار الديمقراطي، تؤكد أن اليسار المغربي لم ينقرض بل يعاني انكماشا تاريخيًا يهدد وجوده، مع الحاجة الملحة إلى تجديد جذري. وترى في هيمنة النيوليبرالية ضرورة ليسار يوازن بين الدولة والمجتمع، لكنه يفتقر حاليًا إلى استراتيجية موحدة ووحدة تنظيمية بسبب الخلافات والتراجع الدولي.
هل انقرض اليسار في المغرب اليوم؟
لا، اليسار لم ينقرض، لكنه يعيش لحظة انكماش تاريخي. الفرق كبير بين الانقراض وفقدان التأثير. الفكرة ما زالت حاضرة في المجتمع: مطلب العدالة الاجتماعية، الدفاع عن المدرسة والصحة العموميتين، المطالبة بدولة قوية وعادلة. لكن التمثيل التنظيمي لهذه الفكرة أصبح ضعيفا ومتفرقا. إذا استحضرنا تجربة الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في لحظة صعوده، نلاحظ الفارق بين يسار كان يؤطر الشارع ويقود النقاش العمومي، ويسار اليوم الذي بالكاد يحافظ على حضوره المؤسساتي.
في ظل هيمنة النيوليبرالية، هل المغرب بحاجة إلى يسار يوازن بين الدولة والمجتمع؟
الحاجة اليوم لليسار أكبر من أي وقت مضى. حين تتحول السياسات العمومية إلى منطق تقني صرف، وتُختزل التنمية في أرقام النمو، يصبح صوت العدالة الاجتماعية ضرورة. النيوليبرالية بطبيعتها تعمّق الفوارق إذا لم تُقابل بقوة سياسية تضع حدودا للسوق. المغرب يحتاج إلى يسار يعيد طرح سؤال توزيع الثروة، وسؤال من يدفع كلفة الإصلاحات، وسؤال العدالة الجبائية. بدون هذا التوازن، تميل المعادلة لصالح من يملكون النفوذ الاقتصادي.
هل يمتلك يسار اليوم القدرة على بناء هذا التوازن؟
بالصيغة الحالية، الإمكانيات محدودة. هناك تفكك تنظيمي، وتراجع في التأطير الشبابي، وضعف في تجديد النخب. لكن لا يمكن إنكار وجود رصيد تاريخي ونضالي مهم، خصوصا عبر الحضور النقابي المرتبط بقوى قريبة من اليسار مثل الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، إضافة إلى الامتداد الحقوقي والمدني. المشكلة ليست في انعدام الأدوات، بل في غياب استراتيجية موحدة توظف هذه الأدوات ضمن مشروع واضح.
لماذا يبدو حلم وحدة اليسار بعيدا اليوم؟
الوحدة كانت ممكنة حين كان الهدف الديمقراطي يجمع الجميع، كما حدث في تجربة الكتلة الديمقراطية. اليوم، الخلاف لم يعد فقط تنظيميا، بل أصبح مرتبطا بتصورات مختلفة حول طبيعة المشاركة السياسية، والعلاقة بالمؤسسات، وحدود المعارضة. أضف إلى ذلك إرث الصراعات الداخلية وتراجع الثقة بين القيادات. لذلك يبدو الطموح الوحدوي معلقا بين الرغبة والواقع.
لماذا تراجع الربط بين الداخل والخارج؟
في السابق، كان اليسار المغربي جزءا من دينامية أممية، وكان يستفيد من علاقات قوية مع الأحزاب الاشتراكية الأوروبية. لكن التراجع العالمي للفكر الاشتراكي، وتحول أولويات القوى الدولية، وانكفاء الفاعلين على ملفاتهم الوطنية، كلها عوامل أضعفت هذا الامتداد. كما أن اليسار المغربي نفسه لم يطوّر أدوات دبلوماسية حزبية جديدة تواكب التحولات.
هل انتقال قيادات من أحزاب يسارية إلى أخرى يمثل تفتيتا أم بداية وعي جديد؟
الأمر مرتبط بالنية والمشروع. انتقال وجوه من الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية أو غيره إلى حزب التقدم والاشتراكية قد يُقرأ كتفكك إضافي إذا كان تحركا فرديا بحثا عن موقع. لكنه قد يشكل نواة إعادة اصطفاف إذا كان مؤطرا برؤية فكرية واضحة لتجميع القوى الديمقراطية. حتى الآن، لا يبدو أن هناك مشروعا جامعا مكتمل المعالم.
الخلاصة، إن اليسار في المغرب ليس خارج التاريخ، لكنه في مفترق طرق. إما أن يكتفي بإدارة حضوره الرمزي، أو أن يخوض مراجعة عميقة تعيد تعريف هويته وأدواته وعلاقته بالمجتمع. السؤال الحقيقي اليوم ليس هل يحتاج المغرب إلى اليسار، بل هل يستطيع اليسار أن يجدد نفسه بالقدر الذي يجعل المجتمع يحتاج إليه من جديد.