عثمان بن شقرون: التعليم المغربي: من إنكار الفشل إلى سياسة إعادة إنتاجه.

عثمان بن شقرون: التعليم المغربي: من إنكار الفشل إلى سياسة إعادة إنتاجه. عثمان بن شقرون

لا تعجز المجتمعات عن إبصار إخفاقاتها، بل تبرع الدول في ممارسة فن إدارة الإنكار. بهذا المعنى، لا يتجلى التعليم بوصفه حقلاً لإنتاج المعرفة فحسب، بل باعتباره مرآة صقيلة لعلاقة السلطة بذاتها، أي بما تجرؤ على الاعتراف به، وبما تُصرّ على تنميقه لغوياً دون مساس بجوهره. وإذا كانت الخطابات تتغير والبرامج تُعاد تسميتها، فإن الثابت الوحيد هو البنية التي تبرع في تسييس العطب عوضاً عن تفكيكه.

هنا، تفرض استعارة «الحصان الميت» حضورها كنموذج تفسيري كاشف؛ حيث لا تعكس الحركة المحمومة أي تقدم فعلي، بل تُجسّد ديناميكية العدم، حيث تُستبدل السروج وتتم الإشادة بمهارة الفارس، وتُعدَّل وضعيات الركوب، بينما المنظومة، في كليتها، قد فقدت منذ زمن شرط الحيوية.

انطلاقاً من هذا الأفق، لا ينشغل هذا النص بالسؤال المستهلك حول أسباب تعثّر المنظومة التعليمية بالمغرب، بل ينتقل إلى مستوى السؤال: كيف يتحول الفشل داخل المدرسة العمومية المغربية إلى وضعية مُدارة؟ وكيف يُعاد إنتاج هذا العطب بوصفه سياسة عمومية قائمة بذاتها، تُغلف بشعارات الإصلاح باستمرار كي لا تُسمّى باسمها الحقيقي؟ أي كيف يغدو الفشل وظيفياً ومقبولاً داخل النسق السياسي والاجتماعي المغربي؟

 

في هذا السياق، يتحول التعليم المغربي إلى حقل كلاسيكي لـ «إعادة إنتاج البنى الاجتماعية». فالمدرسة لا تعمل هنا كفضاء محايد لتكافؤ الفرص، وهي وظيفتها المفترضة في الارتقاء الاجتماعي والتحرر من أسر المنشأ، بل كآلية ناعمة تُعيد ترتيب التراتبية ذاتها التي تزعم تجاوزها. إن هذا «الفرز» لا يحدث في لحظة خاطفة، بل هو سيرورة ممتدة تبدأ من الفضاء واللغة، وتصل ذروتها في نظام المباريات لولوج بعض المعاهد العليا والكليات. فهذه المباريات، وإن تغطت برداء الاستحقاق المعرفي، تظل في جوهرها اختباراً لمدى قدرة الأسرة على الاستثمار القبلي في مراكز الدعم واللغات والمهارات الناعمة، مما يجعلها حواجز طبقية تُقصي أبناء المدرسة العمومية المنهكة لصالح فئات تملك سلفاً مفاتيح النجاح. هكذا يغدو التعليم الخصوصي، أو الكليات ذات الولوج المحدود، قلاعاً تُحفظ فيها الامتيازات، بينما يُترك الباقون لمسارات تُغلق مبكراً ثم يُقال لهم إن المسار اختارهم.

بهذا المعنى، يُمارَس الإقصاء بوصفه إجراءً تقنياً، ويُقبل الفشل بوصفه نتيجة موضوعية، فيتحول ما هو بنيوي وسياسي إلى قدر فردي محتوم، وما هو نتاج لغياب العدالة إلى ضعف في الاستحقاق الشخصي. هكذا لا يُدار الفشل كحادث طارئ، بل كآلية ضبط عَميقة تُعيد إنتاج الخضوع عبر بوابة القبول.

ومع انسحاب الدولة التدريجي من التزامها بالتعليم باعتباره حقًا سياديًا، لا ينشأ فراغ مؤسسي، بل يُعاد ترتيب الحقل التربوي وفق منطق السوق. هنا، تنزاح المعرفة عن كونها أفقاً للتحرر لتستحيل رأسمالاً رمزياً يُحتكر، وتغدو المدرسة جهازاً للفرز يعمل بفعالية صامتة.

في ظل هذا النسق، يُختزل النجاح التربوي في حيازة الشهادة بوصفها صكاً إدارياً للمرور، بينما يُهمّش التكوين الصلب والبناء المعرفي العميق. وهكذا تصبح الغاية هي تراكم الشواهد لا تراكم المعرفة، مما يُنتج فجوة هائلة بين مظهر الاستحقاق وجوهر الكفاءة. ولا يُقاس هذا النجاح بتوسيع أفق المتعلمين أو تنمية وعيهم النقدي، بل بمدى «ملاءمتهم» لمتطلبات اقتصاد متقلب؛ حيث تُعاد صياغة «الكفاءة» بوصفها مجرد قابليّة دائمة للتكيّف، حتى لو كان ذلك على حساب المعنى والاستقرار.

إن الغاية النهائية لهذا التوجه ليست إعداد مواطنين يملكون أدوات الفهم والتحليل، بل إنتاج ذوات أداتية قابلة للضبط، مرنة بما يكفي لتستجيب للمعيار التقني، وقابلة للاستبدال حين يلزم؛ ذوات تحمل شهادات تؤهلها للانصياع، لكنها تفتقر لتكوين يحميها من الاستلاب.

وتكفي الإحالة إلى التقييمات الدولية، من قبيل اختبارات (PISA)، لا باعتبارها سلطة قياس محايدة، بل بوصفها مرآة كاشفة لما تعجز المدرسة المغربية عن إنتاجه: الاستقلال المعرفي للمتعلم، وقدرته على الفهم والتأويل وتوظيف المعرفة خارج الأسوار المدرسية الضيقة. وحين تُظهر هذه الاختبارات، دورة تلو أخرى، الانحباس الحاد في هذا الأفق لدى التلاميذ المغاربة، لا يُطرح السؤال الجوهري حول ماهية التعلم أو الشروط الاجتماعية والمادية التي يُنتَج في ظلها؛ بل تُحوّل هذه النتائج إلى مادة لقراءات مغرضة تسعى لشرعنة المزيد من السياسات النيوليبرالية، أو تُستغل لجلد الحلقة الأضعف في المنظومة (المدرس أو التلميذ) تبرئةً لذمة القرار السياسي.

هكذا يُختزل الإخفاق في معطى تقني بارد يُناقَش في أروقة الوزارة ثم يُطوى؛ حيث لا يعود الترتيب المتأخر مؤشراً على خلل بنيوي، بل يغدو جزءاً من توازن الخطاب وعنصراً إضافياً في سياسة تطبيع التدني. فالفشل هنا لا يُعالج، بل يُوظف لتبرير وصفات جاهزة تزيد من تكريس منطق السوق، وتحول فضيحة الأرقام من دافع للتغيير الجذري إلى روتين إداري يُؤكد الوضع القائم بدل أن يثور عليه.

 

إن أقصى درجات الأزمة لا تكمن، إذن، في تدني النتائج، بل في تطبيع هذا التدني. فالإنكار هنا ليس موقفًا نفسيًا عابرًا، بل سياسة عمومية قائمة بذاتها. سياسة تُعنى بالحفاظ على صورة الفاعل أكثر من تغيير الفعل. وحين يصبح الفشل جزءًا من انتظام النظام، لا خللًا فيه، تُفرَّغ دعوات الإصلاح من مضمونها، وتتحول إلى طقوس خطابية تُعيد إنتاج المعيار نفسه الذي يُقصي.

 

إن ما يشهده واقع المدرسة العمومية اليوم هو ثمرة سيرورة تاريخية محكمة بدأت بـ تفريغ الموارد وانتهت بـتفتيت العرض التربوي، حيث شكلت عملية المغادرة الطوعية والتحولات المتسارعة في نظم التقاعد ضربة استباقية لجسد المنظمة التربوية، لم تكن تهدف فحسب إلى تقليص النفقات العمومية، بل كانت عملية تجريف ممنهج للذاكرة المؤسساتية من خلال دفع خيرة الأطر المرجعية والخبراء إلى الرحيل في أوج عطائهم، مما سمح بتوطين هذه الخبرات مجاناً في أحضان القطاع الخاص الذي تلقف حراس الجودة الجاهزين، ليترك المدرسة العمومية في حالة فقر دم تربوي مهدت الطريق لاحقاً لقبول فكرة فشل المنظومة والسير بارتياح في طريق الخوصصة.

وفي هذا الفضاء الذي أُفرغ من نخبته التاريخية، أُطلقت مسميات براقة مثل تنوع العروض التربوي والمسالك الدولية وصولاً إلى مدارس الريادة، وهي في جوهرها ليست سوى آليات لـ "الهندسة الطبقية للمعرفة"؛ إذ لا تُوزع هذه المسارات اعتباطاً، بل تُرسم من خلالها حدود فاصلة بين تعليم نخبوي يراكم الامتياز ويضمن استمرارية النفوذ في أسواق الشغل العالمية، وبين تعليم عامي يُراد له أن يُنتج جيوشاً من الممتثلين والمؤطرين بروح الانتظار. وبذلك، تتحول المدرسة من أداة تاريخية لتقليص الفوارق الاجتماعية إلى جهاز يمنح تلك الفوارق طابعاً طبيعياً ومشروعاً، حيث تنجح آليات التصنيف والتقييم الصامتة في إقناع المقصيين بأن وضعهم هو نتيجة لضعف مهاراتهم الفردية، متسترةً بذلك على تقسيم طبقي مسبق يُعيد تعريف المقبول والمرفوض بما يخدم تأبيد التراتبية الاجتماعية تحت غطاء الجودة والاستحقاق

 

إن ذروة المأزق لا تكمن في تدني النتائج، بل في مأسسة هذا التدني وتطبيعه. فالإنكار هنا ليس موقفاً نفسياً عابرًا، بل هو سياسة عمومية قائمة بذاتها: سياسة تُعنى بـتجميل صورة الفاعل أكثر من تغيير الفعل ذاته. وحين يغدو الفشل جزءاً من التوازن البنيوي للنظام، لا خللاً طارئاً فيه، تُفرَّغ دعوات الإصلاح من جوهرها، لتتحول إلى مجرد طقوس خطاب» ووصفات تقنية تُعيد إنتاج نفس المعيار الإقصائي الذي أوجد الأزمة في المقام الأول.

إن التفكير في مأزق التعليم المغربي لا يكتمل دون مساءلة موقعه في صُلب بنية السلطة. فالتعليم لا يشتغل خارج السياسة، بل في قلبها؛ بوصفه تقنيةً لممارسة السلطة عبر التنظيم، والضبط والتطبيع والتحديد القسري لما يُعدّ معرفة نافعة. ومن ثمّ، فإن الاعتراف بالفشل ليس مجرد إدانة أخلاقية، بل هو فعل نظري وسياسي بامتياز؛ لأنه يمثل لحظة القطيعة الضرورية مع منطق إدارة العطب. ففي اللحظة التي نتوقف فيها عن إنكار الفشل، نفتح أفق التفكير في مدرسة لا تُعرّف الإنسان بما يُطلب منه أن يكون (كأداة وظيفية)، بل بما يمكنه أن يصير إليه (كذات حرة).

 

بين مدرسة تُدار بمنطق الهيمنة وتطبيع التدني، ومدرسة تُتصوَّر كأفق للتحرر والعدالة، يقف التعليم المغربي اليوم عند مفترق طرق حاسم. ولا يمكن عبور هذا المفترق بمزيد من الإصلاحات الترقيعية أو المناورات اللغوية، بل فقط عبر قطيعة واعية تُعيد للتعليم اعتباره كحق سيادي ومجتمعي، لا كسلعة هشة خاضعة لمنطق المضاربة والفرز الطبقي