عاشت العدالة الجنائية خلال العقود الأخيرة تحولات جوهرية بفعل التطور المتسارع لأنماط الجريمة، ولاسيما الجريمة المنظمة والعابرة للحدود، إلى جانب تنامي الالتزامات الدولية للدول في مجال حماية حقوق الإنسان، وهو ما فرض مراجعة شاملة للإطار الإجرائي المنظم للمسطرة الجنائية. وفي هذا السياق، أبان القانون رقم 22.01 عن محدوديته وعدم قدرته على مواكبة هذه التحولات، سواء على مستوى وسائل الإثبات أو آليات البحث والتحقيق، مما دفع المشرع المغربي إلى إطلاق ورش إصلاحي واسع، تعزز بدستور 2011 الذي كرس مبادئ أساسية، من قبيل قرينة البراءة، والمحاكمة العادلة، واستقلال السلطة القضائية، إلى جانب التوجيهات الملكية الداعية إلى تحديث السياسة الجنائية وتجويد التشريعات بما يحقق التوازن بين الفعالية الزجرية وحماية الحقوق والحريات .
وفي هذا الإطار، جاء القانون رقم 03.23 المعدل لقانون المسطرة الجنائية كلبنة مركزية في إعادة هيكلة العدالة الزجرية، من خلال تعزيز ضمانات الدفاع، وتحديث وسائل الإثبات، وتوسيع مجال الرقمة، واعتماد بدائل حديثة للاعتقال والعقوبة. ولم يكن تقنين استعمال الوسائل الإلكترونية وليد لحظة تشريعية معزولة، بل ثمرة مسار تدريجي توجته التجارب العملية، خاصة خلال جائحة كوفيد-19، التي أبرزت الحاجة الملحة إلى إدماج التكنولوجيا لضمان استمرارية المرفق القضائي ونجاعة تدبيره.
غير أن هذا التوجه التشريعي نحو توسيع استعمال الوسائل الإلكترونية أعاد إلى الواجهة إشكالية جوهرية تتعلق بمدى ملاءمة هذه الوسائل مع ضمانات المحاكمة العادلة وحقوق الدفاع، ومدى قدرة المشرع على تحقيق التوازن بين متطلبات النجاعة الإجرائية وصون الحقوق والحريات الفردية.
وقد أحدث القانون رقم 03.23 تحولا بنيويا في المسطرة الجنائية، حيث تبنى المشرع توجها واضحا نحو توسيع نطاق استعمال الوسائل الإلكترونية والرقمية في مختلف مراحل الدعوى العمومية، من البحث التمهيدي إلى التحقيق والمحاكمة والتنفيذ. وتجسد هذا التحول أساسا في تحديث محاضر الضابطة القضائية، عبر إضفاء المشروعية على المحاضر الإلكترونية والتوقيع الرقمي، وتوسيع البيانات التعريفية للأطراف، بما أرسى إطارا قانونيا مزدوجا يجمع بين الشكلين التقليدي والرقمي للمحضر. كما شمل التحديث إجراءات البحث، لاسيما في حالات التلبس، من خلال إدماج البحث المالي، وحجز الأدلة الرقمية، والتفتيش المعلوماتي للأجهزة، واسترجاع المعطيات المشفرة أو المحذوفة، مع إخضاع هذه العمليات لرقابة النيابة العامة واحترام السر المهني وحقوق الغير.
وإلى جانب ذلك، استحدث المشرع تقنيات بحث خاصة، وعلى رأسها تقنية الاختراق، باعتبارها آلية استثنائية لمكافحة الجرائم الخطيرة، محاطة بضمانات شكلية وموضوعية، كما أقر نظاما لاعتراض الاتصالات والتقاط المعطيات الإلكترونية قائما على مبدأ الحظر والاستثناء المعلل والخاضع لرقابة قضائية، مع إقرار جزاءات زجرية لحماية سرية الاتصالات. وفي إطار ترشيد اللجوء إلى الاعتقال الاحتياطي، عزز القانون بدائل الحرمان من الحرية، خاصة الوضع تحت المراقبة القضائية والمراقبة الإلكترونية، بما يعكس تحولا في الفلسفة الإجرائية نحو عدالة جنائية أكثر مرونة ونجاعة.
غير أن النقاش الذي رافق هذا التحول انصب في معظمه على رصد مظاهر المساس بضمانات المحاكمة العادلة نتيجة التوسع في استعمال الوسائل الإلكترونية. وفي مقابل هذا الطرح، تتيح قراءة مغايرة تجاوز منطق التعارض المباشر بين الرقمنة والحقوق، نحو مقاربة تعتبر أن المشرع لم يسع فقط إلى تقييد الضمانات التقليدية، وإنما إلى إعادة صياغتها ضمن تصور إجرائي جديد، ينتقل بالضمانات من إطارها المادي الكلاسيكي إلى إطار وظيفي مرن، يكون فيه المعيار هو مدى تمكين الأطراف من ممارسة حقوقهم فعلياً، لا مجرد احترام الشكل الإجرائي التقليدي. فالمحاكمة العادلة لا تختزل في الحضور الفيزيائي، وإنما تقوم أساسا على تمكين المتهم من الدفاع عن نفسه، ومناقشة الأدلة، والتواصل الفعال مع محاميه، والمثول أمام قاضٍ مستقل ومحايد.
وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى التقاضي عن بعد باعتباره آلية إجرائية استثنائية تهدف إلى ضمان استمرارية العدالة وتقليص الآجال، شريطة أن يُمارس في نطاق محدد، وأن يُقرن بضمانات تقنية وقانونية كفيلة بالحفاظ على توازن الخصومة الجنائية. غير أن هذه القراءة الوظيفية لا تنفي وجود مخاطر حقيقية، إذ إن نجاح الوسائل الإلكترونية يظل رهيناً بجودة البنية التحتية التقنية، وبمدى تكوين القضاة وأعوان العدالة، وبوجود معايير دقيقة تحدد الحالات التي يجوز فيها اللجوء إلى هذه الوسائل، خاصة في القضايا الجنائية الخطيرة التي تمس الحرية أو الحياة.
ومن زاوية أخرى، يكرس القانون رقم 03.23 تحولا عميقا في طبيعة الوظيفة القضائية الجنائية، حيث لم يعد القاضي يواجه فقط وقائع محسوسة وسلوكات بشرية مباشرة، بل أصبح مطالبا بتقدير أدلة ذات طبيعة رقمية ومعلوماتية معقدة، قائمة على تحليل المعطيات والآثار الرقمية غير المرئية. وهو ما ينقل القاضي من موقع “قاضي الوقائع” إلى موقع “قاضي البيانات”، ويطرح إشكالية حدود الاقتناع الصميم نفسه، ومدى استقلاله أمام الدليل التقني الذي غالبا ما يمر عبر وسيط خبير، بما قد يؤدي إلى نوع من التبعية المعرفية للخبرة التقنية على حساب السلطة التقديرية للقاضي.
ولا يثور الإشكال هنا فقط حول مشروعية تفتيش الأجهزة أو اعتراض الاتصالات أو اعتماد تقنية الاختراق، بل حول الكيفية التي تُدمج بها نتائج هذه العمليات في البناء القضائي للاقتناع. فالدليل الرقمي، بحكم قابليته للتعديل أو إساءة التأويل، يفرض معايير صارمة تتعلق بسلسلة الحيازة، وسلامة الاستخراج، وشفافية الخبرة، وحق الدفاع في مناقشة الأسس التقنية التي بني عليها. غير أن قراءة مقتضيات القانون رقم 03.23 تكشف عن منحى تشريعي يميل إلى توسيع سلطات الضبط والبحث الجنائي، مقابل تضييق ملموس لهوامش حماية الحياة الخاصة وسرية الاتصالات وحقوق الدفاع، في تعارض مع مبدأي الضرورة والتناسب، لاسيما من خلال التعديلات التي مست المادة 59، وتوسيع نطاق الجرائم المشمولة بإجراء التقاط الاتصالات، وإدماج تقنية الاختراق مع تقييد حق الدفاع في مناقشة مشروعيتها.
وأمام هذا التوسع التشريعي في استعمال الوسائل الإلكترونية، يظل التساؤل الجوهري مطروحا حول ما إذا كان القانون رقم 03.23 قد نجح في إرساء توازن حقيقي بين متطلبات الفعالية الجنائية وحماية الحقوق والحريات، أم أنه يؤسس لمنطق تشريعي جديد يجعل من الرقمنة أداة لتكريس سلطات استثنائية دائمة. ويظل الرهان الحقيقي معلقا ليس فقط على النص القانوني، بل على كيفية تنزيله قضائيا، وعلى قدرة القضاء على إخضاع الوسائل الإلكترونية لمنطق الضرورة والتناسب، بما يحفظ للعدالة الجنائية بعدها الإنساني، ويضمن بقاء المحاكمة العادلة ممارسة قضائية حية، لا مجرد مبدأ دستوري .
مراد علوي/ رئيس المركز المغربي للدراسات القانونية والاجتماعية و تحليل السياسات