مشهد عابر لكنه مؤلم أود تقاسمه مع برادة وفريقه من الخبراء :
" الوقت صباحا...
أرمي نفسي في سيارة نقل بالتطبيقات...
السائق أعرفه... نعم... لقد كان مربيا في ما كنا نسميه سابقا" مركز المشلولين" بالحي المحمدي...
أدشن معه حوارا عفويا...
الصدمة: قال: حينما أغلقوا المركز... كان مصيرنا الشارع...
الشاب المرهق لا يتحسر على عمله المؤقت حينذاك الذي ضاع منه ولا على كل البيوت التي أغلقت تحت يافطة" الدمج" وأن مكان هؤلاء المعاقين حركيا مدرسة تتكيف لهم... يتحسر على مصير " المنبوذين" العفو... أقصد المدمجين...
"الدمج.... آه....تلك الأسطورة... التي كشفت أن القرارات البيروقراطية التي ترضي العقل الغربي والمانحين، تقتل خصوصية ثقافية اجتماعية مغربية، حيث من الصعب قيميا وبنيويا ولوجستكيا وبشريا دمج أطفال في مؤسسات عمومية تلفظهم.... لأنها عاجزة عن فهم خصوصياتهم..
الصدمة: السائق ... المربي السابق ... يشير إلى مدار قريب.... ويقول" هنا... ألتقي أحد ضحايا الدمج على كرسيه المتحرك يتسول...."
أصمت... وأتذكر آلاف الأطفال المتوحدين... والثلاثيي الصبغة... الذين يتم التخلص منهم... بطرق قاسية أو ملتوية... وأحيانا... بلا رحمة...
فأسأل برادة.... ما مصير الدمج....؟
الدمج كما خطط له الغرب يصنع الدهشة والفارق... لكننا لا نملك ثقافيا وقيميا واكاديميا وحتى مهنيا أرضية لتنزيله... قم سيدي بدراسة لمآل من وعدتم بإدماجهم.... المدرسة العمومية لها مناعة تاريخية ضد المختلف... ضد المتوحد... ضد المعاق... إنها أزمة قيم... ولوجستيك.. وسياق...
لهذا لا غرابة في تحول ذاك المشلول لمتسول في مدار حضري، بعدما تم دمجه تقنيا في مؤسسة عمومية.... وأغلق بيته التربوي الذي يعرف كيف يعلمه...
دعونا من هذا...
فوزارة برادة ظاهرة صوتية مفاهيمية منذ زمن...
ولم يحل بعد الزمن التربوي المغربي بامتياز...
وقررت أن أعد تحقيقا قريبا عن مصائب الدمج... ذاك الشعار الذي شرد تربويا آلاف الأطفال... قرييا..
أطياف الريادة مدرسة التنويم الرقمي و سيرة الفشل المُعلّب في دهاليز وزارة التربية المغربية
التناقضات التربوية سيرة مرحلة، تتناوب منذ زمن خطابات الإصلاح المتعالية على وقائع الفشل المترسبة في أعماق الفصول الدراسية، تقف وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة تحت قيادة محمد سعد برادة أمام مرآة تكشف أكثر مما تخفي. فبين أروقة الوزارة ذات الجدران المطلية بلوحات إلكترونية تعرض مؤشرات خضراء وهمية، وبين فصول "مؤسسات الريادة" حيث يحدق التلاميذ في شاشات لا يفقهون ما تعنيه الكلمات التي تمر عليها، تتجسد مأساة تربوية هي الأكثر قسوة في تاريخ التعليم المغربي. إنها مأساة لا تكمن فقط في أن أكثر من ستين في المائة من تلاميذ هذه المؤسسات "الريادية" يغادرونها وهم غير متحكمين في أبسط مهارات القراءة والكتابة والحساب، بل تكمن في الفلسفة الكامنة وراء هذا المشروع التي تختزل الإنسان إلى رقم، والتربية إلى إجراء تقني، والتعلم إلى منتج قابل للقياس الإحصائي. هذا ليس فشلاً عابراً، بل هو إعلان إفلاس لرؤية تربوية تفضل الشكل على المضمون، والوسيط على الرسالة، والكم على الكيف.
لقد تحولت "مؤسسات الريادة" تحت إشراف فريق برادة من فضاءات تعليمية مفترضة إلى وحدات إنتاج صناعي، حيث يختزل النجاح في عدد التقارير المنجزة، وكمية البيانات المدخلة في الأنظمة الإلكترونية، وعدد الأجهزة الموزعة. بينما تضيع في هذا الزحام التقني الأرواح البشرية التي من أجلها وجدت المدرسة أساساً. التلميذ الذي لا يستطيع قراءة جملة بسيطة، المعلم الذي تحول إلى مجرد منفذ لبروتوكولات جاهزة، المدير الذي يقضي يومه في ملء الاستمارات الإلكترونية بدلاً من الاهتمام بالحياة المدرسية - كل هؤلاء ضحايا لرؤية تربوية فقدت بوصلة الإنسان. والأمر الأكثر إيلاماً أن الوزارة تواصل تقديم المشروع كـ"نموذج نوعي" و"رافعة للإصلاح"، متنكرة للأرقام الصادمة التي تنتجها تقييماتها الخاصة. هذه الازدواجية بين الخطاب والواقع ليست بريئة، بل هي جزء من استراتيجية لإدارة الوهم التربوي، حيث يُستبدل النقاش الجدي حول الجودة بحفلات توزيع الأجهزة، ويُستبدل التقييم العلمي المستقل بعروض تقديمية مزيّنة بالرسوم البيانية.
وفي قلب هذه الكارثة التربوية، يبرز تطبيق نموذج "تارل" (Teaching at the Right Level) كمثال صارخ على استيراد الحلول الجاهزة دون تمحيص أو تكييف مع السياق المغربي. فبدلاً من أن تكون هذه المقاربة أداة مرنة لمعالجة صعوبات التعلم، تحولت تحت يد فريق برادة إلى عقيدة تربوية صارمة تفرض على الجميع. لقد تم اختزال العملية التعليمية برمتها في "التعليم الصريح المباشر"، حيث يتحول المعلم إلى مدرب تقني، والتلميذ إلى متلق سلبي، والمعرفة إلى معلومات مجزأة تُقدم في حصص ميكانيكية. الخطورة هنا ليست في فكرة "التعليم حسب المستوى" في حد ذاتها، بل في تحويلها إلى بروتوكول مغلق لا يقبل النقاش أو التكييف. النتيجة كانت مؤسسة "ريادية" تنتج تلاميذ يجيدون فك رموز الكلمات دون فهم معانيها، ويحلون مسائل حسابية نمطية دون القدرة على تطبيق الرياضيات في حياتهم اليومية. لقد قُتلت روح التعلم تحت وطأة الإجرائية المفرطة، وتحول الفصل الدراسي من فضاء للحوار والاكتشاف إلى معمل تدريبي بارد.
والكارثة تتجلى بوضوح في تعامل هذه الوزارة مع قضية الدمج المدرسي لذوي الاحتياجات الخاصة. ففي الوقت الذي ترفع فيه شعارات داعمة للاندماج، نجد الواقع يكشف عن فشل ذريع في تأهيل المدارس والمعلمين لتقديم تعليم حقيقي شامل. الأدهى من ذلك هو الغياب المخيف لأي تقارير جادة تتابع مصير هؤلاء الأطفال بعد "دمجهم". كم طفلاً من ذوي الاحتياجات الخاصة دُمج ثم تُرك ليواجه مصيره؟ كم منهم تحولت تجربة الدمج إلى كابوس من العزلة والإحباط؟ الوزارة لا تملك إجابات، لأنها لم تسأل الأسئلة أساساً. هذا ليس تقصيراً إدارياً عابراً، بل هو موقف أخلاقي يعكس نظرة اختزالية للإنسان، حيث يُنظر إلى ذوي الاحتياجات الخاصة كأرقام يجب إدراجها في الإحصائيات الدولية لتحسين صورة المغرب، لا كبشر لهم حقوق وحاجات خاصة تستدعي استجابة تربوية حقيقية.
ولا يمكن الحديث عن إخفاقات فريق برادة دون التوقف عند وهم الرقمنة الذي تحول إلى أفيون جديد للتربية المغربية. فبدلاً من أن تكون التكنولوجيا أداة داعمة للتعلم، أصبحت غاية بحد ذاتها، ووسيلة لتجميل صورة الفشل التربوي. لقد تحولت "مؤسسات الريادة" إلى واجهات تقنية مبهرجة تخفي وراءها إفلاساً بيداغوجياً عميقاً. الأجهزة الإلكترونية تتراكم في المستودعات أو تتحول إلى ديكور في الفصول، بينما يفتقد المعلمون أبسط أدوات العمل البيداغوجي الفعال. والخطير في هذا النموذج الرقمي المتسرع هو تعميق الفجوة بين مدارس المدن المجهزة وبين مدارس القرى والمناطق المهمشة، حيث ينقطع الإنترنت وتنعدم الصيانة. لقد أصبحت الرقمنة في ظل سياسات برادة أداة طبقية جديدة، تكرس التفاوت وتعمق الهوة بين فئات المجتمع المغربي.
إن فلسفة فريق برادة التربوية تنطلق من نظرة اختزالية للإنسان والتعلم. فالتعليم في هذه الرؤية يُختزل إلى عملية نقل للمعلومات، والنجاح يُقاس بالكم وليس بالكيف، والمعلم يُختزل إلى موظف ينفذ تعليمات، والتلميذ إلى وعاء يُملأ. هذه النظرة الآلية تتجاهل جوهر التربية كعملية إنسانية معقدة تهدف إلى تنمية الشخصية المتكاملة، وبناء القدرة على التفكير النقدي، وتنمية الخيال والإبداع. إنها تربية تنتج أفراداً يجيدون الامتثال ولا يجيدون المساءلة، يحفظون الإجابات ولا يطرحون الأسئلة، ينفذون الأوامر ولا يبتكرون الحلول.
والبديل لا يكمن في إصلاحات ترقيعية، بل في ثورة تربوية شاملة تعيد الاعتبار للإنسان في قلب العملية التعليمية. نحتاج إلى نموذج تربوي مستلهم من النجاحات الدولية ولكن متجذر في الواقع المغربي. نموذج يجمع بين قوة المنهاج الفنلندي الذي يركز على تكوين المعلمين ويقلل من الاختبارات المعيارية، ومرونة نموذج ريجيو إميليا الإيطالي الذي يرى في الطفل باحثاً فطرياً، وقوة النموذج السنغافوري في الجمع بين التميز الأكاديمي ومهارات القرن الحادي والعشرين. نحتاج إلى نموذج يضع التعلم النشط في المركز، ويعيد الاعتبار للعلاقة الإنسانية بين المعلم والمتعلم، ويحول المدرسة إلى فضاء للحياة والاكتشاف وليس فقط للإعداد للامتحانات.
الرقمنة في هذا النموذج البديل يجب أن تكون في خدمة البيداغوجيا، وليس العكس. التكنولوجيا يجب أن تكون أداة للإبداع والتعاون والبحث، وليس مجرد وسيلة لتقديم المحتوى بشكل إلكتروني. وهذا يتطلب استثماراً حقيقياً في تكوين المعلمين على الاستخدام البيداغوجي الذكي للتكنولوجيا، وتطوير محتوى رقمي ذي جودة يرتبط بالمناهج الدراسية ويعكس الثقافة المغربية، وتجهيز المدارس بشكل عادل يضمن وصول جميع التلاميذ إلى الأدوات الرقمية بغض النظر عن موقعهم الجغرافي أو وضعهم الاجتماعي.
أما قضية الدمج، فتتطلب نقلة نوعية من الشعارات إلى الأفعال. نحتاج إلى سياسة دمج حقيقية تبدأ بتكوين جميع المعلمين على بيداغوجيا الدمج، وتصميم مناهج مرنة تراعي التنوع بين المتعلمين، وتوفير الموارد الداعمة من أخصائيين تربويين ومرشدين نفسيين، وإعداد بيئات مدرسية متاحة مادياً وبيداغوجياً. والأهم من ذلك، نحتاج إلى نظام متابعة وتقييم دقيق يتابع مصير كل طفل من ذوي الاحتياجات الخاصة، ليس فقط على المستوى الأكاديمي، بل على المستوى النفسي والاجتماعي أيضاً.
إن خيارات فريق برادة التربوية تعكس رؤية قاصرة للتنمية البشرية. فبدلا من أن تكون التربية أداة لتحرير العقول وتنمية القدرات الإبداعية وبناء الشخصية المستقلة، أصبحت أداة لإنتاج أفراد متكيفين مع النظام، مجيدين للحفظ والتكرار، عاجزين عن النقد والابتكار. هذا النموذج قد ينتج أرقاماً أفضل في التقارير الدولية، لكنه يخسر المعركة الحقيقية: معركة بناء إنسان مغربي قادر على مواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين بفكر نقدي وإبداع وثقة في النفس.
المغرب اليوم على مفترق طرق تربوي. فإما أن يستمر في سياسة الترقيع والاستيراد العشوائي للنماذج، وإما أن يجرؤ على ابتكار نموذجه التربوي الخاص، المستلهم من تراثه الحضاري ومنتجاً لاحتياجات مجتمعه. النموذج البديل يجب أن يجمع بين التميز الأكاديمي والتربية القيمية، بين احترام الهوية والانفتاح على العالم، بين امتلاك المهارات الأساسية وتنمية القدرات الإبداعية. نحتاج إلى مدرسة تعلم الأطفال كيف يفكرون، لا ما يفكرون فيه، كيف يتعلمون، لا ماذا يحفظون.
إن مسؤولية برادة وفريقه اليوم ليست فقط في تحسين الأرقام الإحصائية، بل في مراجعة جذرية للفلسفة التربوية التي تقود عمل الوزارة. هذا يتطلب الشجاعة للاعتراف بالأخطاء، والتواضع للاستماع إلى أصوات الميدان، والحكمة لدمج أفضل الممارسات الدولية مع الخصوصية المغربية. المستقبل التربوي للمغرب لا يُبنى بالأجهزة الإلكترونية والتقارير المزينة، بل برؤية تربوية واضحة، ومعلمين متمكنين ملهمين، ومناهج حية ترتبط بحياة المتعلمين، وبيئة مدرسية تحترم إنسانية الجميع. إن تحديات التعليم المغربي عميقة ومعقدة، ولا تحلها المشاريع "الريادية" السطحية ولا الأجهزة الإلكترونية الباهظة. الحل يبدأ بإعادة الإنسان إلى مركز العملية التربوية، والاعتراف بأن التربية فعل إنساني قبل أن يكون إجراء إدارياً، وأن المدرسة فضاء للحياة قبل أن تكون مصنعاً للإحصائيات. هذا هو الدرس الذي يجب أن يتعلمه فريق برادة إذا كان جاداً حقاً في الإصلاح. فالأطفال الذين يخرجون اليوم من المدارس غير قادرين على القراءة، سيكونون غداً بالغين غير قادرين على التفكير. وهذه ليست مجرد نسبة مئوية في تقرير - إنها كارثة وطنية تهدد مستقبل البلاد برمتها.
خالد أخازي، كاتب وإعلامي