كانت دار الشباب التقدم، يوم الأحد 30 نونبر 2025، شاهدة على واحد من أجمل الاحتفالات وأكثرها رمزية ودفئا في مسار فرع الرباط التقدم لجمعية الشعلة للتربية والثقافة.
ففي لحظة سيخلدها كل من حضر، بدأ الحفل باستقبال غير مسبوق للمحتفى به الأستاذ مصطفى ابن الحمراء، الذي دخل الساحة على صهوة جواد، وسط تصفيقات مدوية وهتافات ملؤها المحبة والامتنان.
وقد تزينت القاعة بجدارات الخيمة التقليدية، في إشارة رمزية عميقة إلى الجذور الثقافية المغربية وامتداد الهوية الجماعية في بعدها التاريخي والإنساني. هذا الحضور الجمالي ليس مجرد ديكور عابر، بقدر ما هو جزء من روح اللقاء، يذكر بقيم الضيافة والكرم والتضامن التي شكلت خلفية ثقافية لخمسة عقود من العمل الجمعوي داخل جمعية الشعلة حيث منحت هذه الأجواء التراثية للحفل روحا احتفالية خاصة، وجعلت لحظة التكريم أقرب إلى لقاء عائلي يستعيد صفاء الماضي وجمال الذاكرة.
كان المشهد الذي استعاد للمحتفى به طقوس الشاوية العريقة أشبه بلوحة من الزمن الجميل حيث يستقبل شجاع القبيلة بكل ما يحمله الفارس في الثقافة المغربية من رموز: الوفاء، النخوة، صون العهد، وحمل الأمانة دون خيانة.
وبدت دار الشباب في تلك اللحظة فضاء يحتضن الفخر الجماعي وكأن التاريخ يعيد رسم نفسه أمام أعين رفاقه وقدماء الجمعية الذين حضروا بكثافة لمشاركة هذه اللحظة النادرة.
ازدانت القاعة بوجوه كثيرة من قدماء جمعية الشعلة ومن رفاق الدرب الذين عرفوا الرجل في مختلف مراحل عطائه وممن اشتغلوا معه في الأنشطة أو رافقوه في المخيمات أو شاركوه سنوات البناء الأولى. هؤلاء الرفاق حضروا للمشاركة في التكريم و للاحتفاء بذاكرتهم المشتركة معه وبالسنوات التي جمعهم فيها العمل التربوي والنضال الجمعوي.
وبعد هذا المشهد الافتتاحي الباذخ توالت كلمات الاعتراف التي استحضرت سيرة المحتفى به، رجل جعل من العمل التربوي مسار حياة، ومن القيم الإنسانية منهجا يوميا حيث ساهم الأستاذ مصطفى ابن الحمراء في تربية أجيال من الأطفال وفي تكوين أفواج من الشباب، وفي تأطير مخيمات تربوية بالأطلس والشواطئ، حيث ظل حاضرا دوما بابتسامته المعهودة التي لا تفارق محياه، وبقدرته على تحويل الأنشطة إلى لحظات تعلم حقيقي ومتعة تربوية.
وفي كلمته بالمناسبة، أكد عثمان العزوزي، مندوب الفرع، على أهمية ثقافة الاعتراف داخل جمعية الشعلة، باعتبارها ركيزة أساسية في حفظ الذاكرة الجماعية وتكريم الرواد الذين بصموا تاريخ الجمعية بعطائهم اللامشروط وروحهم النضالية الهادئة.
كما عبر الأستاذ مصطفى ابن الحمراء عن فرحٍ عميق واعتزاز كبير بهذه الالتفاتة النبيلة، معتبرا أن تكريمه وسط رفاقه وقدماء الجمعية بدار الشباب التقدم هو تتويج لمسار طويل من العطاء. وأكد أن هذا الاعتراف الصادق يمنحه قوة إضافية للاستمرار في خدمة القيم التربوية والشعلوية التي يؤمن بها.
وفي مدينة سطات، حيث مارس مهنة التعليم، ترك أثرًا لا يمحى داخل المؤسسات التي اشتغل بها، لأن الرجل كان مربيا قبل أن يكون أستاذا، وإنسانا قبل أن يكون مسؤولا. كما امتد عطاؤه إلى الرياضة والعمل الاجتماعي، من خلال إشرافه على دوريات كرة القدم، وتنظيم الرحلات الاستكشافية التي كانت تجمع رفاقه وأصدقاءه في فضاءات يلتقي فيها الترفيه بثقافة الانتماء.
وقد أجمع المتدخلون خلال الحفل على أن تكريم مصطفى ابن الحمراء هو تكريم لجيل كامل من الرواد الذين أسسوا لثقافة تربوية راسخة داخل جمعية الشعلة وأن حضور قدماء الأطر في هذا الحدث يعكس قوة الروابط التي نسجتها الجمعية على مدى خمسين سنة من العمل المتواصل.
وفي ختام الحفل، تم تسليم المحتفى به جوائز تذكارية وشهادة تقدير اعترافا بجهوده الكبيرة في إسعاد الطفولة والشباب، وما قدمه من عطاء نقي وصادق طيلة مسيرته داخل الجمعية وفي الفضاءات التربوية التي مر منها. وقد شكلت هذه اللحظة مسك الختام حيث تفاعل معها الحضور بالتصفيق والفرح، احتفاء برجل منح الكثير دون أن ينتظر مقابلا سوى رؤية البسمة على وجوه الأطفال واليافعين.
وانتهى الحفل كما بدأ بروح عالية من الفرح وبموجة محبة غمرث فضاء دار الشباب التقدم، وبإحساس جماعي أن هذا التكريم شكل لحظة اعتراف عميقة لفارس يستحق أن ترفع له القبعة.