المصطفى المريزق: التفاوت الاجتماعي والوعي السياسي.. قراءة سوسيولوجية في ضوء "الطريق الرابع"

المصطفى المريزق: التفاوت الاجتماعي والوعي السياسي.. قراءة سوسيولوجية في ضوء "الطريق الرابع" المريزق المصطفى
"مساهمة مواطنة في النقاش العام الذي تقترحه الأحزاب السياسية على وزارة الداخلية"

يُعدّ التفاوت الاجتماعي أحد أبرز المؤشرات على اختلال البنية السوسيو-اقتصادية والسياسية في المغرب، حيث يتجلى هذا التفاوت في ضعف العدالة الاجتماعية، واستدامة مظاهر الهشاشة، واتساع دوائر الإقصاء والاستبعاد الاجتماعي، واشتداد الفجوة بين الفئات والمجالات (المدينة/القرية، المركز/الهامش). ويطرح هذا الوضع تساؤلاً مركزياً حول العلاقة الجدلية بين التفاوت الاجتماعي وبنية الوعي السياسي لدى المواطنين.

1. التفاوت الاجتماعي بوصفه ظاهرة بنيوية سياسية

علمتنا تجربتنا الميدانية في أزيد من 50 قرية، أنه لا يمكن فهم التفاوت الاجتماعي باعتباره مجرد ناتج اقتصادي أو ظرف تقني، بل هو في جوهره نتاج لاختيارات سياسية مُمأسسة، تنعكس في طرائق توزيع السلطة والموارد الحيوية، وفي السياسات العمومية المعتمدة، وأنماط التنمية المحلية و الجهوية والقطاعية. فالتفاوت ليس ظاهرة طبيعية، وكما قلناها في العديد من المناسبات، ليس حتمية طبيعية أو قدرية، بل هو صنيعة تاريخية تعيد إنتاج علاقات الهيمنة والتهميش، من خلال منظومات قانونية ومؤسساتية تُقصي شرائح واسعة من السكان من الولوج المتكافئ إلى الثروة والخدمات الأساسية.

2. الوعي السياسي كشرط لتفكيك البنية التفاوتية

إن تجاوز اختلالات البنية الاجتماعية لا يتم فقط من خلال الوعود والتدخلات التقنية أو البرامج الإصلاحية المعزولة، بل يتطلب تأسيس وعي جماعي نقدي، قادر على مساءلة البنى القائمة والمسؤولين عنها، والمطالبة الفعلية بالحقوق، والانخراط الواعي في الفعل السياسي والمدني. وفي هذا الإطار، يُعدّ الوعي السياسي رافعة أساسية لإحداث تحول ديمقراطي يُعيد الاعتبار للحاشية السفلى وللطبقات الفقيرة والوسطى، ويفتح المجال أمام فاعلين اجتماعيين جدد يُسهمون في قيادة مشروع تحرري عادل.

3. من النضال الخيري إلى النضال الحقوقي

يقتضي بناء الوعي السياسي تجاوز منطق الإحسان والشفقة والتبرع والمساعدات الظرفية وللموسمية، نحو منطق الحقوق والعدالة، والديمقراطية والكرامة.
فالمطالبة بالحق في الثروة الوطنية، والمشاركة في السلطة، ومناهضة التفاوتات المجالية والاجتماعية، يتطلب تحولاً من دور "الفاعل الخيري" إلى دور "الفاعل السياسي"، الذي يستند إلى قيم المواطنة الفاعلة والمشاركة الديمقراطية.

4. الجهوية كمدخل لإعادة توزيع الثروة والسلطة

في ضوء المقاربة التي يتبناها "الطريق الرابع"، فإن الجهوية لا ينبغي أن تُفهم كخيار إداري أو تقسيم ترابي فحسب، بل كآلية لإعادة توزيع الموارد، وتعزيز العدالة المجالية، وتمكين الجهات المهمشة من تقرير مصيرها التنموي. وتُعدّ الجهوية السياسية، في هذا السياق، رهاناً على بناء مشروع مجتمعي تحرري، يرسّخ أسس دولة القانون والمواطنة.

5. المواطنة الفاعلة والوعي السياسي

الوعي السياسي لا ينحصر في مجرد الإدراك السطحي بالشأن السياسي، أو في التصويت الانتخابي الموسمي، بل يتجسد في القدرة على تحليل الواقع، وفهم علاقات القوة، والانخراط النقدي في القضايا العامة. وغياب هذا الوعي يعيد إنتاج التهميش والاستبعاد الاجتماعي، ويُكرّس الاستغلال والتبعية، ويضعف مناعة المجتمع ضد السلطوية والفساد، وضد المحسوبية والزبونية.

وتكمن خطورة ضعف الوعي السياسي في تحوّله إلى آلية صامتة لإعادة إنتاج الهيمنة، وفي الوقت نفسه، يشكل الوعي أداة للتحرر الاجتماعي والسياسي، شريطة أن يتم تنميته عبر مؤسسات التنشئة الاجتماعية ( وهذا ما نلقنه لطلبتنا داخل الجامعة وفي لقاءات ومنتديات الجامعة الشعبية للمغربية UPM)، وعلى رأسها:

المدرسة: من خلال تربية مواطناتية تؤسس لقيم الديمقراطية.

المجتمع المدني: بتفعيل دور التأطير والمرافعة والتكوين.

الإعلام: بوصفه وسيطًا للتنوير والنقد، ومقاومًا للرداءة والتفاهة والخطاب الشعبوي.


6. نحو ثقافة سياسية جديدة

إن اللحظة التاريخية التي يمر منها مجتمعنا وبلدنا التواق للتغيير، تفرض نشر ثقافة سياسية جديدة، تتجاوز أنماط الانتماء التقليدي، وتعتمد على التأطير القاعدي، وتُدمج التربية على حقوق الإنسان والديمقراطية في مختلف فضاءات التنشئة، وتراهن بشكل خاص على الشباب كقوة دافعة للتغيير، بشرط تمكينه من أدوات الفعل والنقد والمشاركة.

وفي الختام، نعتبر رؤية الطريق الرابع اسهاما واعيا، واعدا ومسؤولا كمشروع تحرر جماعي

إن الوعي السياسي، وفق مقاربة "الطريق الرابع"، ليس ترفًا فكريًا أو تمرينًا نخبويًا، بل هو رافعة استراتيجية لبناء مجتمع ديمقراطي أكثر عدالة ومساواة. إنه مشروع ثقافي-مدني، يتطلب تضافر جهود النخب، والمؤسسات، والحركات الاجتماعية، من أجل إرساء أسس تعاقد اجتماعي جديد، يُعيد الاعتبار للكرامة الإنسانية، ويجعل من العدالة الاجتماعية والمجالية أهدافًا مركزية في مشروع الدولة الديمقراطية.


 
المريزق المصطفى، مؤسس الطريق الرابع