عبد اللطيف البغيل: نظرة في بعض الممارسات المخالفة للظهير المتعلق بإعادة تنظيم عمل المجالس العلمية على المستوى الجهوي (4/ 2)

عبد اللطيف البغيل: نظرة في بعض الممارسات المخالفة للظهير المتعلق بإعادة تنظيم عمل المجالس العلمية على المستوى الجهوي (4/ 2) د.عبد اللطيف البغيل
قبل أن أتطرق لما يتعلق بمضمون هذه النظرة المتفرعة عن النظرة (4 /1) السابقة، أرى أنه من المناسب هنا تأكيد حقيقة ثابتة لا تتغير ولا تقبل الـتأويل، وهي أن ما قلناه سابقا يرتبط فقط بهذه القرارات التي أبدينا فيها رأينا وما يتعلق بها وما يجب أن تتضمنه، وأن كل ما قلناه لا ينفي حقيقة ثابتة لا يمكن نكرانها إطلاقا، وهي أن هذه الوزارة نتعتبرها بحق مؤسسة ذات رمزية كبيرة عندنا نحن المغاربة، وتحظى باحترامنا، لما لها من أدوار كبيرة في خدمة الثوابت الدينية والوطنية، وهي الساهرة على تنفيذ تعليمات سيدنا المنصور بالله فيما يرتبط بحفظ الدين وحراسته، وهي المستأمنة بهذا على مساجدنا ومواقيت صلواتنا وصيامنا وهي المشرفة المباشرة على أداء مناسك حجنا، وهي الحارسة الأمينة لصدقاتنا وأحباسنا، والمدققة والمراقبة لمطالع أهلتنا، وهي التي تقوم بدور مهم في الحفاظ على هويتنا، وعلى المحافظة على تراثنا وثقافتنا الإسلامية، وهي المشرفة العامة على نظام تعليمنا العتيق، وضامنة لاستمرار دراسة كتاب ربنا وحفظه، وغير هذا كثير مما تضطلع به هذه الوزارة، وتقوم به تحت نظر ورعاية مولانا أمير المؤمنين نصره الله وأيده، وإن ما قلناه في هذه النظرات لا مساس له بأي وجه من الوجوه ولا بصورة من الصور بهذا ولا بغيره مما تقوم به هذه الوزارة وهو كثير، وعملها فيه مبرور وشهير وبالشكر جدير.

فما قلناه فقط يرتبط بجزئية بسيطة لا تعدو قرارات الإعفاء، وما يتصل بها، وأما الإعفاء في حد ذاته فأمر قد يكون حلا مناسبا للشخص المعفى في بعض الأحيان، وخاصة عندما يجد العضو نفسه وقد ترأس عليه، من لا يحسب نفسه رئيسا فحسب وإنما يحسب نفسه بالإضافة إلى ذلك شيخا، ويعتبر الباقي تلامذة له وأتباعا، يوجههم كيفما شاء ويفرض عليهم طقوسا لا تناسب المهمة التي جاء من أجلها، ولا تناسب من هم تحت رئاسته، فمن ذا الذي يقبل على نفسه أن يكون تلميذا لشخص يفرض نفسه على الآخرين كشيخ؟ فلكل واحد الحق في أن يختار لنفسه من يرى أهمية اعتباره شيخا، لحاجة يراها هذا الشخص، ولعلم أو فن يرى حاجته إلى أن يتخذ فيه شيخا، فعندما يحدث ما أشرنا إليه يكون الإعفاء في حد ذاته أمرا فيه سعة وراحة ورحمة، ووقوع الإعفاء في هذه الحالة أو في غيرها من الحالات التي أشرنا إلى بعضها في ثنايا النظرات السابقة أو فيما يأتي، لا يكون عليه أي أسف، ولهذ فإن وجهة نظرنا تتعلق فقط بطريقة تدبير هذه الإعفاءات، من الوجوه التي أشرنا إليها، بعدما تمت المكاتبة المباشرة إلى الوزارة تظلما مرة وتشكيا تارة أخرى، ولم تبد الوزارة أي تجاوب مع ذلك، سواء في اتجاه تصحيح المسار أو في اتجاه تبرير القرار، وهذا ما دعانا إلى أن نبين وجهة نظرنا هنا، ونبدي ما نراه من الأمور التي يتعين إعادة النظر فيها، بسبب ما يترتب عنها من ضرر نفسي ومس بالاعتذار الشخصي للأشخاص الذين تم اعفاؤهم، وحذرا من أن يستفحل الأمر ويتفاقم وينتقل إلى مؤسسات أخرى ذات الصلة بالوزارة، وعندها فقد يتسع الخرق على المرتق، ولأن الأمر إذا استحكم يصعب إزالته أو التحكم فيه.

ومن ذلك ما أشرنا إليه في إحدى النظرات السابقة، من أن الوزارة لم تعمل وفق الظهير الشريف في مسألة الإعفاء، وهذا ربما قد أصبح ينظر إليه من قبل البعض كنموذج يحتذى، ويشجعهم على إصدار قرارات لا تنسجم مع مقتضى الظهير الشريف المشار إليه، حيث نجد أحد المسؤولين بمجلس علمي جهوي لا يتردد في التطاول على الحدود التي رسمها الظهير الشريف الجاري به العمل والمتعلق بإعادة تنظيم عمل المجالس العلمية، ذلك أنه لما تولى مهمته بهذا المجلس، كان قد أصدر مذكرة بمثابة (فرمان)عُممت على كل المجالس العلمية للجهة، يُلزم بمقتضاها أعضاء المجالس العلمية المحلية بالتنقل بين أقاليم الجهة، لتأطير أنشطة علمية أو تكوينية أو المشاركة في ندوات أو غير ذلك من المهام الجهوية، والغريب أن هذا التنقل سيكون بدون تكليف رسمي بمهمة، كما قيل للجميع في ذلك الوقت، وللوزارة الموقرة أن تتصور أن عضوا له وظيفة نظامية وتنقل إلى إحدى مدن الجهة، وتعرض لحادث وهو لا يتوفر على تكليف بمهمة، فمن سيتحمل المسؤولية؟ فلا المسؤول الجهوي الذي ألزمه بالتنقل العشوائي والخارج عن الإطار القانوني سيتحمل المسؤولية، ولا الوزارة تتحملها، ولا الجهة المشغلة ستتحملها كذلك، ولها أن تقول لموظفها العضو، ماذا كنت تعمل بمدينة الحسيمة مثلا ومقر عملك بطنجة؟ ومن أعطاك الإذن بالتنقل إليها؟ فهذا نوع من الاجتهاد العشوائي المقلوب الذي تفتقت عنه قريحة هذا المسؤول، الذي لا يقيم لأمر القانون وزنا، ويتصرف ضدا على الصفة التي عين بها أعضاء المجالس العلمية المحلية بالجهة، وهي أنهم بمقتضى الظهير الشريف أعضاء مجالس علمية محلية، وليسوا أعضاء جهويين، والمشكلة هنا التي لم ينتبه إليها هذا المسؤول الجهوي، هي أنه بهذه المذكرة (الفرمان) كأنه عدل وغير من نطاق الظهير الشريف الذي يحدد مقار عمل الأعضاء المحليين، وهو اختصاص حصري لأمير المؤمنين نصره الله وأيده، فكيف سمح لنفسه بالوقوع في هذا الأمر، بزيادة أعباء على الأعضاء المحليين لا ينص عليها الظهير الشريف، والتطاول على اختصاص حصري لأمير المؤمنين الذي اقتضت إرادته الشريفة، تعيين هؤلاء الأعضاء بأقاليمهم ومحالات مجالسهم، ولم يعينهم للعمل في أي إقليم آخر للجهة ولو ليوم واحد، ثم يأتى هذا ويلزم الأعضاء بعمل آخر جهوي لم يقتضه الظهير الشريف؟ ألا يعد هذا تطاولا على اختصاص أمير المؤمنين؟

فلو اقتضت إرادة سيدنا المنصور بالله تكليف خدامه الأوفياء العلماء أعضاء المجالس العلمية بعمل جهوي، لرسم ذلك في الظهير الشريف، ولكنه لم يفعل ذلك لحكمته وسديد نظره، ولما يرى فيه المصلحة لأبناء شعبه في أقاليمهم، بعمل مجالسهم العلمية في إطار محلي، من خلال أنشطة متنوعة، يشرف عليها ويساهم فيها هؤلاء الأعضاء حسبما يقتضيه الإطار القانوني الذي يحدده الظهير الملكي الشريف، وبذلك لا يبقى لأي أحد مجال للتدخل في تعديل نطاق هذا الإطار القانوني من خلال إلزام الأعضاء بتكليفات أخرى خارج دائرة نفوذ المجالس العلمية المعينين بها.

فهذا المسؤول عندما تصرف هكذا لم يفكر جيدا في خطورة هذا الإلزام الذي اتخذ فيه قراره بمقتضى المذكرة المعلومة، وهو يعلم أنه ليس سلطة تشريعية وليس له الحق في إلزام الأعضاء بما لا يلزم قانونا طبقا للظهور الشريف المشار إليه، وربما قد يكون السبب الذي أدى بهذا المسؤول إلى إصدار هذه المذكرة هو رغبته في أن يظهر بمظهر المبدع والمبتكر لأساليب عمل جديدة في الشأن الديني في الجهة، ويظن بهذا أنه عمل عملا صالحا، والحقيقة أنه ابتدع بدعة منكرة ضررها أكبر من نفعها، ومن أضرارها أنها أربكت عمل المجالس العلمية بالجهة، وأدخلت جميع الأعضاء والعضوات في صراع نفسي دائر بين قبول فحوى المذكرة المبتدعة ورفضها، فمن فكر في رفضها ظهرت أمام عينيه عواقب ذلك الرفض، ومن فكر في قبولها ظهرت أمامه مشاقها وتكاليفها ومخاطر الطريق أثناء تنفيذها، كل هذا العبث الذي صمم عليه هذا المسؤول، وهو يعلم أن العمل الحقيقي يجب أن يوجه إلى فئات المجتمع التي تنتمي إليها المجالس العلمية للجهة، وأن أغلب هذه الفئات لا زالت إلى الآن بعيدة عن تدخلات بعض المجالس، ولا تستفيد من برامجها وأنشطتها، وهي غارقة في الهشاشة الاجتماعية وانعدام الوعي الديني ومبادئه، فالأجدر بهذا المسؤول أن ينظر في المشاكل اليومية التي تعاني منها المجالس العلمية للجهة، ويركز على متابعة ترشيد عملها والرفع من جودته وفاعليته، لا أن يعمل على تشتيت الأعضاء المحليين بين سكك الجهة وطرقها ويعرضهم لمخاطرها، ويبعد الأعضاء جميعا رجالا ونساء عن مواطنهم، مع ما يتطلب ذلك من نفقات ووقت وجهد، بدون موجب قانوني لذلك، وفي النهاية لا يكون من وراء هذا كله أي فائدة، ولهذا ستبقى مذكرته بدون مفعول يذكر، لأنها ما أريد بها وجه الله، ولا احترمت فيها إرادة المعنيين بتنفيذها قسرا، وهم الأعضاء بكل المجالس العلمية بالجهة، ولو أنه فكر قليلا وطرح الفكرة كخيار يعود لمن يريد التطوع فيها، لزال الإشكال المشار إليه أعلاه، ولخرج من مشكلة العمل بما يخالف الظهير الشريف، وبالتالي لما تردد أحد في الاستجابة لما خير فيه، لكنه أرادها فتنة ابتلي بها الجميع واستنزفت مجهودات ووقتا كبيرا في الاجتماعات التي خصصت لدراستها وتنزيلها ووضع برامجها، وفي النهاية لم يبارك له الله فيما ابتدع، ولم يتحقق من ذلك أي شيء، وكل هذا كان على حساب العمل الأصلي الذي كان من المفترض أن تقوم به المجالس، بدل مناقشة مذكرة هذا المسؤول الفارغة من أي فائدة ومصلحة، فكان هذا التصرف غير القانوني سببا في هدر وقت وجهد المجالس بدون نتيجة تذكر، وقد لوحظ هذا في حينه علانية في بعض اجتماعات مجلس علمي محلي وقيل للملاحظ : (دعها حتى تقع) ويبدو أن المسؤول الجهوي لم يتسع صدره ولم يتقبل ذلك، بعدما وصلته الملاحظة، وهي على كل حال ملاحظة تحتاج إلى جواب من أجل الاطمئنان على الوضعية القانونية أثناء هذا التنقل، لكن الجواب جاء في سياق آخر، بعدما رُتبت أسباب أخرى على مُسببات في مسافة طولها ما بين المسؤول الأكبر الجهوي والمسؤول الأصغر المحلي، فكان له ما أراد، وتحقق له المراد، وهو عاقبة من فكر في الرفض في خضم الصراع النفسي المشار إليه فيما تقدم، وبالتالي كان هذا هو الجواب على ملاحظة من لاحظ ولحاجة في نفسه قضاها، وهو جواب تنقصه اللباقة، ويعكس القيمة الحقيقية لمن رتب الأسباب على مسبباتها تمهيدا لإغلاق الباب، ومن توهم أنه سيحتفظ بالمفتاح بعد إقفال الباب في وجه أحد، فهو غافل يحتاج إلى تنبيه لحقيقة قاطعة، وهي أن المفتاح لا يدوم لأحد، وأنه لا بد يوما ما، سيُغلق هذا الباب في وجهه.
 
د/عبد اللطيف البغيل 
عضو مجلس علمي سابق