من يعيش أوضاع الجامعة العمومية اليوم أو يهتم بها، يصل دون شك إلى أن مشاكلها أصبحت تستعصي على الحل، وأن أزمة حادة أضحت "بفعل فاعل" تهدد هذه الصروح العلمية التي نسميها كليات ومعاهد ومدارس عليا، في كيانها وهويتها، وتحول دون القيام بالدور الذي ينبغي أن تقوم به في تنمية البلاد وتقدمها.
إن الحالة المأساوية التي آلت إليها أوضاع الجامعة العمومية أدت إلى بروز بعض الظواهر التي كانت تعد قبل عقدين من الزمن غريبة عن الحرم الجامعي، ومنها على سبيل المثال لا الحصر آفة الفساد الإداري والمالي والعلمي وتفشي العنف الذي طال الأساتذة والطلبة معا، وهو ما مس من مكانة الجامعة الاجتماعية والثقافية والعلمية باعتبارها فضاء للمعرفة والتربية على المواطنة واحترام التعدد والإيمان بالاختلاف وفضيلة الحوار.
وعوض العمل على ترسيخ مبدأ الشراكة الذي بشر به الميثاق الوطني للتربية والتكوين منذ سنوات وكرسته كل أدبيات إصلاح التعليم العالي للخروج من هذه الوضعية، اختار المسؤولون عن التعليم العالي الهروب إلى الأمام، فاتخذوا من مفهوم الشراكة مبررا لفتح الباب أمام الرأسمال الوطني والأجنبي كي يستثمر في عقول المغاربة، وخصخصة الجامعات العمومية عبر ما يسمى التكوين المستمر تارة والتوقيت الميسر تارة أخرى. ومن ثم انحازوا إلى اختيار يزيد التعليم العالي تشتتا ويعرضه للبيع والشراء في سوق البورصة الذي تكون الغلبة فيها لمن يدفع أكثر.
هذا يعني أن توحيد التعليم العالي ومجانيته، وهما من المبادئ التي دافع عنها المغاربة منذ الاستقلال، أصبحا من الماضي. وهو ما خلق جوا من انعدام الثقة في الجامعة العمومية وأدى إلى خلل في تكافؤ الفرص بين المتعلمين. وبعبارة أخرى فإن التعليم العالي ببلادنا لا يسير بسرعتين فقط، بل بسرعات عديدة، تجعل الفرق شاسعا بين مؤسسات الاستقطاب المفتوح والاستقطاب المحدود من جهة، وبين التوقيت العادي والتوقيت الميسر من جهة ثانية وبين المؤسسات التابعة لوزارة التعليم العالي وتلك التي ما زالت تحت قبضة وزارات أخرى من جهة ثالثة وبين التعليم العالي العمومي والتعليم العالي الخصوصي من جهة رابعة.
لا شك في أن هذا "الاختيار" الذي يوضح إلى حد تعبت الدولة بأبنائها، يعمق الشرخ بين تعليم عال تتوفر له كل شروط النجاح، وآخر توضع في وجهه كل العراقيل التي تحول دون أن يؤدي مهمته على الوجه الأكمل، ويفتقر لأدنى الشروط التي تجعل منه تعليما عاليا منتجا.
هناك من يرى في هذا الموقف الحذر من "التعليم العالي الخاص" نزعة محافظة، لأن السياق الحالي لم يعد يتحمل هذه الغيرة الزائدة على الجامعة العمومية في ظل سيادة منطق السوق وهيمنة الرأسمالية المتوحشة. ولكن منطق الأشياء يقتضي، أولا وقبل كل شيء، لتوحيد سرعة التعليم العالي ببلادنا، أن نؤهل الجامعة المغربية، بشكل يجعلها مستعدة لجو المنافسة ويمنحها القدرة على الصمود في وجه الرأسمال. ولكي تتأهل الجامعة المغربية لتقوم بهذا الدور، عليها أن توفر للأستاذ والطالب معا نفس الشروط التي توفرها الجامعات الخاصة.
وواقع الجامعة العمومية اليوم يشير إلى أنها تعرف أزمة حقيقية على جميع المستويات، وجهها البارز أن أكثر من أربعين في المائة من الطلبة يغادرون الجامعة دون الحصول على أية شهادة، وأن الذين يصمدون حتى يحصلوا على الشهادات لا يجدون شغلا يتماشى مع بتكوينهم. والسبب في ذلك راجع إلى أن المحاولات المتكررة لتنزيل الأدبيات الصادرة عن المؤسسات الدستورية لم ينبع من إرادة سياسية حقيقة تضع الجامعة في المكانة التي تستحقها باعتبارها رافعة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وهذا ما تؤكد عليه كل أدبيات التعليم العالي المنبثقة عن المبادرات التشاركية. غير أن غياب الإرادة السياسية لدى الحكومات المتتالية التي من المفروض أن تتحمل مسؤولية إخراج تلك الأدبيات إلى حيز التنفيذ، جعلها تنظر إلى الجامعة العمومية على أنها عبء مالي على الدولة. في حين أن كل إصلاح للتعليم العالي له كلفته المادية باعتباره استثمارا حقيقيا في العنصر البشري.
لا يمكن للجامعة العمومية أن تحتل مكانتها بين جامعات العالم إلا إذا وجدت حلولا لبعض المعضلات التي رافقتها منذ سنين، ومنها على سبيل المثال لا الحصر معضلة الاكتظاظ. فالأستاذ بالجامعة المغربية ما زال يلقي دروسا أمام أكثر من خمسمائة من الطلبة دفعة واحدة، وما زال يصحح أكثر من ألفي نسخة من أوراق الامتحانات، وما زال يجري الأعمال التطبيقية والتوجيهية لعدد يستحيل معه التواصل المباشر مع جميع الطلبة كل على حدة. كما لا يمكن للجامعة المغربية أن تحتل مكانتها بين جامعات العالم إلا إذا وفرت للأستاذ شروط البحث العلمي. والحال أن أساتذة التعليم العالي بالمغرب ينفقون من أجورهم الخاصة كي ينجزوا أبحاثا، ونحن من الدول القليلة في العالم التي تصر على فرض ضريبة على البحث العلمي كي تزيد على كاهل الأستاذ الباحث ثقلا على ثقل.
ولكن معضلة المعضلات تكمن في أن كل حكومة تنظر إلى أدبيات اصلاح التعليم العالي بمنظارها الخاص الذي يتماشى مع رؤيتها إلى حاجيات المجتمع المغربي وأولياته على المدى القصير، الشيء الذي يترتب عنه نوع من المفارقة بين ما أجمعت عليه مؤسسات الدولة وكل المعنيين بالتعليم العالي وبين سياسة الحكومة في هذا المجال، مما يجعل النصوص المتوافق عليها في واد والسياسة المتبعة في التعليم العالي في واد آخر.
إن هذه المعضلات التي يتخبط فيها التعليم العالي عامة والجامعة العمومية على وجه الخصوص، لا يمكن أن تجد لها حلا ناجعا عن طريق المبادرات الترقيعية التي يلجأ إليها وزراء التعليم العالي، والتي تؤدي إلى رهن مستقبل جيل كامل من الطالبات والطلبة بقرار فردي من هذا الوزير أو ذاك، مهما توفرت لديه النية الحسنة والتجربة الطويلة. ذلك أن مشكلة التعليم العالي بنيوية، وحلها لا ينبغي أن يناط بوزير، أو حتى بحكومة، بل بكل المؤسسات ذات الصلة، بدءا بالجامعات نفسها طلبة وأساتذة، مرورا بالمجلس الأعلى للتربية والتكوين، وليس انتهاء بالحكومة وبالبرلمان.
ولا شك في أن المغرب راكم أدبيات غنية في مجال إصلاح التعليم والتعليم العالي، وهي أدبيات لو وجدت طريقها إلى التنفيذ الحقيقي لأصبحنا في طليعة الدول في على هذا الصعيد. ولكن تلك الأدبيات لم تجد بعد من يفعلها بشكل صحيح كي تصبح واقعا ملموسا، إنها تخضع في كل مرة ّلاجتهاد" وزراء التعليم العالي المقيدين بكوابح مالية وبإملاءات سياسوية لا علاقة لها بالتعليم العالي.
وهذا ما يجعل كل مبادرات وزراء التعليم العالي بهذا الشأن مجرد ترقيع يزيد من تعقيد مشكل التعليم العالي دون أن يجد حلا له. إذ كيف يعقل مثلا أن تعرف المؤسسات الجامعية ذات الاستقطاب المفتوح، وهي المؤسسات التي تأوي أكثر من ثمانين في المائة من الطلبة المغاربة، ثلاث نماذج من الإصلاح البيداغوجي في حيز زمني لا يتعدى ست سنوات؟ حدث هذا فقط لأن ثلاثة وزراء تناوبوا على كرسي وزارة التعليم العالي وكل واحد منهم يغني ليلاه. إن هذا يدل على غياب رؤية استراتيجية لتدبير هذا القطاع الحيوي، كما يؤكد بشكل لا لبس فيه أن مصير التعليم العالي محكوم بأشخاص وليس بمؤسسات.
إن الإصلاح البيداغوجي لا يمكن عزله عن المستويات الأخرى التي تشكل أزمة الجامعة، وبالتالي فإن كل محاولة في هذا الاتجاه لن تؤتي أكلها لأن عناصر الأزمة مرتبطة فيما بينها ارتباطا عضويا. فكيف يمكن أن نتحدث عن إصلاح بيداغوجي داخل الجامعة دون التفكير في تدبير جيد لشؤونها، وهو ما يقتضي دمقرطة حقيقية لتسييرها واستقلالية كاملة لشؤنها، تجعلها بمنأى عن تقلبات أمزجة الحكومات والوزراء. والحال أن ما يلوح بهذا الخصوص في الأفق مخيف ومرعب، لأنه يضع مصير الجامعة رهن إشارة أناس لا علاقة لهم بالتعليم العالي والبحث العلمي، وتلك مهزلة أخرى من مهازل التعليم العالي ببلادنا.