سعيد التمسماني: الانتخابات المقبلة.. بين الانتظام الديمقراطي والوضوح المؤسساتي

سعيد التمسماني: الانتخابات المقبلة.. بين الانتظام الديمقراطي والوضوح المؤسساتي سعيد التمسماني
حين خصص جلالة الملك محمد السادس جزءًا من خطابه بمناسبة الذكرى السادسة والعشرين لعيد العرش للحديث عن الانتخابات التشريعية المقبلة، بدا واضحًا أن الأمر يتجاوز البعد التقني والتنظيمي للاستحقاقات الانتخابية، ليحمل في طياته إشارات سياسية واستراتيجية بالغة الدلالة.
 
فالملك شدد منذ البداية على أن هذه الانتخابات ستُجرى في موعدها الدستوري العادي. وهنا تكمن الرسالة الأولى: المغرب ليس في وارد تعطيل دورته السياسية أو تعليق إيقاعه الديمقراطي. بل على العكس، فإن المؤسسة الملكية تحرص على تثبيت الانتظام الدستوري كقاعدة صلبة للحياة العامة، في وقت تعرف فيه المنطقة المحيطة هزات سياسية وتراجعات ديمقراطية. إن مجرد تأكيد هذا المبدأ يعزز صورة المغرب كدولة ذات مصداقية سياسية، ويبعث برسالة طمأنة إلى الداخل والخارج معًا.
 
الرسالة الثانية تتعلق بضرورة أن تكون القواعد المؤطرة للانتخابات معروفة قبل نهاية السنة الجارية. وهذا ليس تفصيلًا شكليًا، بل اختيار استراتيجي يؤسس لثقافة الوضوح والثقة بين الدولة والفاعلين السياسيين. إذ لا يمكن تصور انتخابات نزيهة وذات مصداقية دون إطار قانوني مستقر ومتاح للجميع، يسمح للأحزاب بتحديد مواقفها، وللمواطنين باستشراف رهانات المرحلة. في العمق، نحن أمام دعوة ملكية إلى تحويل القانون الانتخابي من ورقة تقنية إلى قاعدة للتعاقد السياسي بين مختلف الفاعلين.
 
أما الرسالة الثالثة، فهي تأكيد الملك على ضرورة المشاورات السياسية الواسعة. فالإعداد للانتخابات ليس شأنا إداريا محضًا، بل مسار جماعي يفترض فيه أن تنخرط الأحزاب، وتتحمل مسؤولياتها في بلورة التوافقات الضرورية. إنها عودة إلى جوهر الديمقراطية التشاركية التي أسس لها دستور 2011، حيث لا تكتمل العملية الانتخابية إلا بوجود فضاء حوار وتفاهم بين مختلف المكونات.
 
من هنا، يمكن القول إن خطاب الملك رسم ملامح خريطة طريق واضحة: انتخابات في أوانها، بقواعد شفافة، وفي إطار تشاور وطني واسع. إنها ثلاثية تضع المغرب في مسار استثنائي، مقارنة بالاضطرابات التي يعيشها المحيط الإقليمي.
 
في نهاية المطاف، لا يتعلق الأمر بمجرد استحقاق انتخابي روتيني، بل بمحطة سياسية تؤكد أن المغرب اختار أن يجعل من الديمقراطية ممارسة متواصلة، ومن الاستقرار قاعدة، ومن الحوار منهجًا. وهي رسائل تختزل فلسفة الإصلاح السياسي بالمغرب: إصلاح هادئ، متدرج، لكنه ثابت في اتجاه ترسيخ الديمقراطية كخيار استراتيجي لا رجعة فيه.