أحمد الحطاب: العَلمانية تيار فكري أم نظام حُكم؟

أحمد الحطاب: العَلمانية تيار فكري أم نظام حُكم؟ أحمد الحطاب
من الأجدر أن نقولَ عَلمانية، بفَتح العين نسبةً إلى كلمة "عَلْمٍ" التي هي مرادِفة لكلمة "عالَم". والمقصود من كلمة "عَلْمٍ"، هو العالم المتحرِّك le monde qui bouge أو العالم المُتغيِّر le monde changeant أو إن شئنا العالم النسبي  le monde relatif.
 
والعالَم، أي الكرة الأرضية le globe terrestre أو كوكب الأرض la planète terre، لم يتوقَّف عن التغيير جغرافياً، جيولوجياً، وبعد ظهور الحياة، بيولوجياً. أما بعد ظهور الإنسان العاقل Homo Sapiens، منذ ما يزيد عن 300000 سنة، بدأ العالَم يتغيَّر بالتَّدريج اجتماعيا، اقتصاديا، ثقافياً، سياسياً، زراعياً، صناعياً، تكنولوجياً… وقد بيَّن هذا التغييرَ علمُ الآثار archéologie وعلمُ الحفريات paléontologie وعلمُ المناخ climatologie.
 
ومن بين التَّغييرات السياسية التي حدثت في العالم، تلك التي عرفتها أوروبا في النصف الثاني من القرن الثامن عشر. وتتمثَّل هذه التغييرات في بداية انتقال بعض الوظائف الاجتماعية، التي كانت تحتكِرها السلطة الدينية أو الكنيسة، من المجال الديني المتشدِّد إلى المجال العمومي. وهذا الانتقال هو ما يُعرف بالعَلمَنَةِ la sécularisation. والعَلمَنة هي علامةٌ من علامات تراجع نفوذ الكنيسة أو السلطة الدينية، داخلَ المجتمع. السلطة الدينية التي كانت تستحوِد على جميع الوظائف ذات الطابع الاجتماعي، وعلى رأسها التَّعليم. التَّعليم الذي كان يغلب عليه الطابع الديني وكانت الفتيات، في غالب الأحيان، مَقصِيةً منه.
 
وتطوَّرت العَلمانية عبر العصور وأصبحت تعني فصلَ الدين عن السياسة، أي فصل تدبير الشأن العام عن الدين. وبما أن السياسةَ هي التي تدبِّر الشأنَ العامَّ، ففصلُ الدين عن السياسة هو عبارة عن فصل الدين عن الدولة. إلى أن أصبحت العَلْمَنَةُ هي الطريق المُؤدي إلى الحداثة la modernité أو إلى دولة الحداثة l'état moderne. حينها حلَّت محلَّ الهوية الدينية للأشخاص l'identité religieuse des personnes المواطنةُ la citoyenneté التي تعني الانتماء للوطن la nation. ويترتَّب عن هذه المواطنة التزامات إزاء الدولة والمجتمع، وهو ما يُشار إليه ب"الواجبات" les obligations أو les devoirs. كما يترتَّب عن المواطنة حقوقُ يجب على الدولة أن تُوفِّرَها للمواطنين، بحُكم انتمائهم للوطن.
 
واستمرَّت العَلمانية في التَّطوُّر إلى أن أصبحت نظامَ حُكم قائم الذات. حينها، ارتكزت على عدَّة مبادئ، أهمُّها أن العَلمانيةَ تحترم جميع الأديان السماوية والوضعية. كما أنها كانت ولا تزال تجعل من حرية المعتقد واحدا من أسُسِها. والدليلُ على ذلك، أن الدولَ العَلمانيةَ لا تزال تحتضن الكنائس les églises والمساجد les mosquées ومعابد اليهود les synagogues ومعابد الأديان الوضعية les temples.
 
غير أن العَلمانيةَ، كمُصطلح أو كمفهوم، تُثير الجدلَ في أوساط علماء وفقهاء الدين المسلمين. وكلُّهم، بدون استثناء، يعتبرون العَلمانية تياراً فكريا جاء للقضاء على الدين ولتهميشه sa marginalisation. بل إن كثيرا من علماء وفقهاء الدين شوِّهُوا فكرةَ العَلمنة بنُعوت لم تكن في ذهن مَن ابتكر هذه العَلمانية. كما تمَّ تحريفُه عن أصولِه التَّأريخية التي بدأت تظهر في بعض المجتمعات، وبالأخص، في فرنسا ابتداءً من القرن الثامن عشر الذي عرف أحداثَ الثورة الفرنسية la révolution française.
 
وأكثر الناس تشويهاً وتحريفاً لهذا المفهوم، هم السلفيون المتطرِّفون les salafistes extrémistes. وحتى مَن يدَّعون أنهم وسطٍيون في تديُّنِهم، هم، كذلك، لا يدَّخِرون جُهدا عندما تُتاح لهم الفرصة للتنديد بهذا المفهوم. وكلا الطَّرفان يدَّعِيان بأن العَمانيةَ مُعادية للدين وتسيء له وتُهمِّشه، بل وتَقُود الناسَ إلى الإلحاد.
 
والعَلمانية، كتيارٍ فكري، كانت، أولا وقبل كل شيءٍ ضد الديانة المسيحية. المسيحية التي كانت هي الآمِرَ والناهي في جميع الأمور التي تهمُّ الناس. بمعنى أن المسيحيةَ، عبر الكنيسة، هي التي تُدير شؤونَ هؤلاء الناس. وهذا يعني أن كلَّ أمور الدنيا التي يتعامل معها الناس، في حياتهم اليومية، تتدخَّل فيها الكنيسة. هذه الأخيرة كانت ترفض الاعتدالِ la modération ولا يمكن لأمرٍ من أمور الدنيا أن يمرَّ دون تحشرَ نفسها فيه. والدليل على ذلك أن الإقطاعَ le féodalisme تزامن مع غطرسة autoritarisme الكنسية أو السلطة المطلقة autorité absolue.
 
فهل العَلمانية تيارٌ فكري أم نظام حكم؟ العَلمانية تيارُ فكري، وفي نفس الوقت، نظام حكم. وخلافا لما يدَّعيه علماءُ وفقهاء الدين المسلمون، العَلمانية ترتكز على فصلِ الدين عن السياسة. بل إنها تحترم كلَّ الأديان، من خلال مبدأ حرية المُعتقد. بمعنى أن الأشخاصَ يختارون الدينَ الذي يناسبهم ولهم كل الحرية لممارسة طقوسهم الدينية. والدليل على ذلك، تساكن الأديان في البلدان الأوروبية العَلمانية. وما يحدث من تطاحنٍ وصراعات بين الأديان في هذه البلدان، الدولة أو العَلمانية، كنظام حُكم، ليست مسئولة عنه. المسئول عنه هو العقليات les mentalités التي تنخرِط في التَّعصُّبِ والتَّطرُّفِ الدِّينيين.