عبد العزيز حنون: نزوة تدخين في سن 14 قد تتحول إلى ورطة الإدمان !!

عبد العزيز حنون: نزوة تدخين في سن 14 قد تتحول إلى ورطة الإدمان !! عبد العزيز حنون
في التربية الصحية للأجيال يتم التركيز على تفادي السيجارة الأولى لأن ما بعدها يشبه سقوطا حرا في الهواء chute libre من أعلى جبل بعد وطء جلدة موز التي هي ليس إلا "تجربة" السيجارة الأولى، بعدها يبدأ المسلسل المتتالي لمراحل الإدمان فيصل الامر الى الارتهان البيولوجي والنفسي لهذه النبتة الخبيثة التي تجلب معها كل المتاعب والمصائب..

التدخين نشوة فموية متقدمة على غرار الرضاعة يلجأ إليها المدخن لتعويض الحرمان، وهو وسيلة للانطواء على الذات وملء الفراغ، ومهرب خاطئ لمواجهة الضغوطات اليومية والنفسية، وأحيانا وسيلة لمعاقبة الذات، وقد يكون دعامة للانتماء داخل مجموعات الصداقة الحميمية،التي تستهلك بشكل مشترك السجائر والشيشا وغيرها من المخدرات. كما أنه قد يتوهم الصغار بتقليد الكبار أنهم بالتدخين قد وصلوا للرجولة والقوة والنضج، في تمثلات معكوسة تماما لنتائجها الكارثية.

وإذا كان التدخين بدايته مصيدة تبدأ مع تقليد الاقران والرفقة عند حوالي 50 في المئة من المدخنين، فإن الإقلاع عنه يحتاج لقرار ناضج لا يمكن أن ينجح فيه قاصرون بالمفهوم النفسي للكلمة، ويحتاج أيضا لتغيير البيئة المنتجة للسلوك والرفقة المؤنسة به على الفور. دون أن ننسى دور الفحص النفسي والتشخيص المتخصص الدقيق للحالة، لأن الإدمان قد يكون فقط الشجرة التي تخفي غابة لأمراض نفسية وعقلية.فمثلا سبعون في المائة من مرضى الدهان السكيزوفرينيا أو الفصام يستهلكون الحشيش. والحالة هذه فلا نأمل في إقلاع دون متابعة الأدوية وتوازن المريض عقليا. ولذلك فمحاربة الإدمان ترتبط في جزء كبير منها بالطب النفسي، ولأن، كما قلت وأكرر، كثيرا من الأمراض النفسية تختبئ وراء الإدمان.

وتبقى الإرادة القوية اهم شيء، معها كل الطرق تؤدي للإقلاع، لأن الارتهان البيولوجي مدته محدودة. فالحشيش مثلا ينتهي أمره بيولوجيا في ظرف خمسة أيام فقط، والسجائر بعد أسبوعين يتخلص الجسم من النيكوتين، ليبقى الارتباط النفسي فقط هو الذي يجر صاحبه للوراء وليس البيولوجي. ولذك كثير من النماذج الناجحة في الإقلاع كان الأمر بالنسبة لهم مسألة قرار فقط، فيكون بلا رجعة وعلى الفور وبشكل نهائي.

"حاول مرة أخرى وستنجح" هذا هو الشعار الذي ينبغي أن يرفعه المدخن الذي يحاول الإقلاع عدة مرات دون جدوى. وينبغي أن يعلم أن المسألة تحتاج لشيء من التوجيه المتخصص والمتابعة النفسية وكل شيء سيكون على ما يرام .وعلينا أن ننتهي من اعتبار زيارة الطبيب النفسي عيبا يؤدي إلى الوصم، أو مرتبطا بالحمق كمفهوم شعبي. فزيارة الطبيب النفسي أصبحت من الأشياء التي ينبغي أن تكون بشكل دوري بالنسبة للجميع، فضغوطات الحياة العادية تحتاج لاستشارة الطبيب النفسي، والمشاكل العائلية تحتاج للتوجيه النفسي، والعمل المهني أيضا، وفي كل مناحي الحياة..

حاول مرات عديدة بجدية وستنجح في واحدة من خمسة محاولات جادة على الأكثر، لأن الأبحاث العلمية تؤكد أن الانتكاسة محتملة بعد محاولة الإقلاع، يعني الرجوع للتدخين بعد الانقطاع مدة من الزمن. لكن ما هو مؤكد أيضا علميا أن خمسة دورات جدية لمحاولة الإقلاع لن تتعداها ان حاولت عدة مرات بنية الإقلاع النهائي !!!

بقيت ملاحظة مهمة هو أن تجار المآسي والحروب يوجدون في كل المجالات. وشركات السيجارة الإلكترونية واحدة منها، استغلت الوضع ودخلت على الخط فاوهمت هذه الفئة الهشة العريضة من المدخنين مدعية انها تقدم حلا للادمان في حين انها خطر على الصحة بمكوناتها وتستهلك جيبك اقتصاديا لما ترهنك عندها بعد صيدك كزبون في إدمان جديد يؤدي بدوره للسرطان.

نتحدث عن إدمان السجائر وما في حكمها من الحشيس والشيشا والكالا والنفحة والمخدرات الصلبة والخمور ومخدرات المزاليط من انوع المشمومات كالسيليسيون والدوليو ولكن هناك ارتهانات سلوكية أخرى كالإدمان الإلكتروني وخصوصا عند الأطفال الذي سبق أن تحدثنا عنه في مقال سالف..

ولا بد من الإشارة إلى أن هذا الشهر الفضيل هو مناسبة سانحة لتوديع كل أشكال الإدمان والاقلاع عن جميع العادات غير الصحية ..