تكلموا فالصمت بات مذبوحا
والسلم في درب الجراح مطروحا
يا صخب الدنيا متى تهدأون
أما تعبتم حربكم والنوحا
في كل بيت صرخة تتلوها
والطفل في حضن الظلام جريحا
يا قوم قد ضج الزمان بما
قد كان منكم يبتغي التوضيحا
لكنكم في العز كنتم فمًا
ينطق لكن يترك التصريحات
من البيت الأبيض إلى حلبة صراع
في 28 فبراير 2025، جلس الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب مع نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في لقاء كان يُفترض أن يكون فرصة لتعزيز العلاقات. لكن الأمور لم تسر كما خُطط لها. فقد بدأ اللقاء بتوتر واضح عندما تساءل نائب ترامب جيه دي فانس عن مدى امتنان أوكرانيا للمساعدات الأمريكية. قالها بحدة: "هل قلت شكرًا مرة واحدة؟". كان ذلك كافيًا لإشعال فتيل المشادات الكلامية بين الطرفين
صدام بالملابس قبل الكلمات
لم يكن التوتر في الكلمات فقط، بل امتد إلى الرموز. ترامب انتقد زيلينسكي بسبب ارتدائه الزي العسكري داخل البيت الأبيض معتبرًا أن ذلك لا يليق بمثل هذا اللقاء. لكن الرئيس الأوكراني لم يتردد في الرد قائلًا إن ملابسه تعكس التزامه بجنوده في الميدان. هكذا تحولت حتى الأزياء إلى ساحة للصراع الرمزي بين الرجلين
كلام كثير.. ولا سلام
بعد اللقاء لم يتردد ترامب في التصريح بأن زيلينسكي "ليس جاهزًا للسلام". هذه الجملة لم تكن مجرد نقد بل كانت إشارة إلى مستقبل غامض لعلاقة أوكرانيا بأمريكا، خاصة في ظل التحديات التي تواجهها كييف. أما زيلينسكي فقد خرج من اللقاء بانطباع أن ما جرى لم يكن دعمًا بقدر ما كان محاكمة علنية
الحرب الروسية-الأوكرانية: الجذور والتطورات
الصراع بين روسيا وأوكرانيا ليس وليد اليوم، بل هو امتداد لصراع جيوسياسي طويل بدأ منذ انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991. أوكرانيا، باعتبارها دولة كانت ضمن الاتحاد السوفيتي، تحولت إلى ساحة تنافس بين الشرق والغرب
في عام 2014، قامت روسيا بضم شبه جزيرة القرم، مما أدى إلى فرض عقوبات غربية عليها
منذ 2022 تحولت الحرب إلى صراع مفتوح بعدما أطلقت روسيا عملياتها العسكرية في أوكرانيا متذرعة بأسباب أمنية وتوسعية لحلف الناتو
الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة وأوروبا قدّما دعماً عسكريًا واقتصاديًا كبيرًا لكييف، لكن الدعم لم يكن كافيًا لحسم الحرب
الدور الأمريكي والأوروبي في الصراع
الولايات المتحدة وأوروبا لم تخوضا الحرب بشكل مباشر، لكنهما كانتا الفاعلين الأساسيين في تغذيتها عبر:
1. الدعم العسكري: إرسال الأسلحة المتطورة والدبابات والصواريخ إلى أوكرانيا
2. العقوبات الاقتصادية: فرض عقوبات صارمة على روسيا لمحاصرتها اقتصاديًا
3. اللعب السياسي: استخدام أوكرانيا كورقة ضغط على روسيا في معادلة القوى العالمية
لكن مع مرور الوقت، بدأت تظهر انقسامات داخل المعسكر الغربي حيث بدأت بعض الأصوات تتحدث عن ضرورة وقف الدعم لأوكرانيا والتركيز على حلول دبلوماسية
الوضع الجيوستراتيجي: صراع أكبر من أوكرانيا
الحرب الروسية-الأوكرانية ليست مجرد نزاع حدودي، بل تمثل إحدى أخطر الأزمات الجيوستراتيجية في القرن الحادي والعشرين. فهي ليست فقط مواجهة عسكرية بين جيشين بل صراع بين قوى عظمى تسعى لإعادة تشكيل ميزان القوى العالمي
1. التغير في موازين القوى العالمية
بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، كانت الولايات المتحدة القوة المهيمنة عالميًا. لكن صعود الصين، وإعادة إحياء القوة الروسية، وتشكيل تحالفات جديدة، جعل النظام الدولي أكثر تعقيدًا. الحرب في أوكرانيا ليست إلا تعبيرًا عن هذا التغيير، حيث تسعى روسيا لإنهاء التفرد الأمريكي في الشؤون العالمية
2. أوروبا بين الاستقلال والتبعية
رغم الدعم الأوروبي الكبير لأوكرانيا، فإن الحرب أظهرت ضعف أوروبا الاستراتيجي. فهي لا تستطيع اتخاذ قرارات مستقلة عن الولايات المتحدة، لكنها في الوقت نفسه تتحمل العبء الأكبر للعقوبات والاضطرابات الاقتصادية الناتجة عن الحرب
3. روسيا وإعادة رسم الحدود السياسية
روسيا ترى أوكرانيا جزءًا من مجالها الحيوي، وتعتبر أن توسع الناتو تهديد مباشر لأمنها. لذا، فإن الحرب بالنسبة للكرملين ليست مجرد عملية عسكرية، بل وسيلة لتأكيد نفوذها واستعادة مكانتها كقوة عظمى
4. الولايات المتحدة واستراتيجية الاستنزاف
واشنطن تدرك أن مواجهة روسيا عسكريًا بشكل مباشر قد يؤدي إلى حرب عالمية. لذا، فهي تتبع سياسة الاستنزاف، من خلال إغراق روسيا في حرب طويلة عبر دعم أوكرانيا عسكريًا واقتصاديًا، دون التدخل المباشر. الهدف هو إنهاك موسكو وإضعاف قدرتها على تحدي النفوذ الأمريكي
5. الصين والموقف الحذر
الصين، كقوة صاعدة، تستفيد من الحرب دون الانخراط فيها مباشرة فهي تشتري النفط الروسي بأسعار منخفضة، وتعزز تحالفاتها في آسيا وتراقب كيف يتعامل الغرب مع روسيا، استعدادًا لأي مواجهة مستقبلية محتملة حول تايوان
6. تداعيات الحرب على الاقتصاد العالمي
الحرب أدت إلى ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء، وأثرت على سلاسل التوريد العالمية. العقوبات الغربية على روسيا تسببت في أزمة طاقة في أوروبا، بينما استفادت دول أخرى مثل الهند والصين من شراء الموارد الروسية بأسعار مخفضة
7. احتمالات التصعيد أو الحل السلمي
رغم الحديث عن السلام، فإن الواقع على الأرض يشير إلى استمرار الحرب لفترة طويلة. روسيا لن تتراجع بسهولة، وأوكرانيا لن تستسلم، والغرب لا يريد هزيمة واضحة لأي طرف. ما لم تحدث مفاجآت دبلوماسية كبرى، فإن النزاع سيظل مستمرًا، وربما يتوسع إلى ساحات أخرى، مما يزيد من تعقيد المشهد الجيوستراتيجي العالمي
زبدة القول
الحرب الروسية-الأوكرانية ليست مجرد نزاع محلي، بل صراع عالمي تتداخل فيه المصالح الكبرى. لقاء ترامب وزيلينسكي كشف عن هشاشة التحالفات الحالية، وأثبت أن الكلام وحده لا يكفي لصنع السلام. وسط هذا الضجيج، يبقى السؤال مفتوحًا: هل نحن أمام نهاية مرحلة وبداية نظام عالمي جديد؟
اليوم، لم تعد أوكرانيا مجرد دولة تدافع عن سيادتها، بل أصبحت ساحة اختبار لصراعات القوى الكبرى. الولايات المتحدة تدعمها للحفاظ على نفوذها العالمي، بينما تستغل روسيا الحرب لإعادة ترسيم ملامح النظام الدولي. أما أوروبا فقد وجدت نفسها بين نارين: التبعية للأمريكيين والخوف من التصعيد الروسي
في النهاية، الحرب لم تعد فقط بين روسيا وأوكرانيا، بل بين رؤى مختلفة للعالم ومستقبله. لا شيء يحسم بعد، لكن المؤكد أن العالم بعد هذه الحرب لن يكون كما كان قبلها