الرئيس الأوكراني زيلينسكي، المعروف بمهاراته التمثيلية، كان يأمل في جذب انتباه وتعاطف واشنطن، وبالتالي الحصول على مساعدات مالية وعسكرية جديدة. لكن ترامب، كرجل أعمال محنك، كان له نهج مختلف: فقبل تقديم أي تنازلات، كان ينوي اختبار "الولاء" و"الامتنان" لدى محاوره. فكانت المهمة محفوفة بالمخاطر في مواجهة رئيس أمريكي نافد الصبر ومندفع، وكان التصادم حتميًا
زيلينسكي، الذي يخوض حربًا ضد روسيا، حاول الدفاع عن قضية بلاده، حتى لو بدا ذلك بإلحاح شديد. لكن ترامب، الذي انزعج مما اعتبره قلة امتنان، لم يتردد في توجيه انتقادات قاسية.
صدمة للرأي العام الأوكراني
انتشرت المواجهة التي وقعت يوم الجمعة 28 فبراير 2025 بسرعة على وسائل التواصل الاجتماعي والقنوات الأوكرانية على تطبيق تيليغرام، مما أثار استياءً وإحباطًا لدى شعب يعاني بالفعل من ويلات الحرب.
وفي محاولة لاحتواء الموقف، نشر زيلينسكي رسالة شكر على تيليغرام، موجهة للأمريكان؛ جاء فيها:
"شكرًا لدعمكم خلال هذه الفترة الصعبة، ولجهودكم لصالح أوكرانيا والأوكرانيين، وكذلك لمساعدتكم - ليس فقط دبلوماسيًا وماليًا، ولكن أيضًا سياسيًا ومعنويًا."
رسالة بدت وكأنها محاولة لتهدئة الأجواء بعد إهانة علنية.
الأهداف الخفية وراء الدعم الأمريكي
وراء هذه المواجهة، يبرز تساؤل جوهري: ما هي المصالح الحقيقية وراء الدعم الأمريكي لأوكرانيا؟
في الواقع، كان زيلينسكي في واشنطن لإنهاء اتفاق يتعلق باستغلال الموارد المعدنية الأوكرانية من قبل الشركات الأمريكية، مقابل المساعدات العسكرية التي قدمتها الولايات المتحدة منذ الغزو الروسي في فبراير 2022. هذه المساعدات، التي تقدر بأكثر من 350 مليار دولار، وتمثل مبلغًا ضخمًا، يعادل أكثر من ثلث الميزانية السنوية لوزارة الدفاع الأمريكية.
من الواضح أن هذه المساعدات لم تكن بلا مقابل. ففي عالم العلاقات الدولية، لا يوجد "غداء مجاني"، وأوكرانيا ستضطر إلى الوفاء بالتزاماتها بطريقة أو بأخرى.
علاوة على ذلك، وفقًا لبعض المصادر في واشنطن، كان ترامب "غاضبًا" لأن زيلينسكي "خدعه" عندما رفض، في اللحظة الأخيرة، التوقيع على الاتفاق المهم الذي قضت الفرق الأمريكية ليالي طويلة في إعداده.
منعطف في الدبلوماسية الدولية؟
هل سيمثل هذا الحدث منعطفًا في طريقة تعامل القوى الكبرى مع حلفائها الذين يعتمدون على دعمها؟ إذ يرى العديد من المراقبين الأوروبيين أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين حقق انتصارًا رمزيًا دون أن يضطر إلى إطلاق صاروخ واحد أو حتى الإدلاء بأي تصريح.
فمن خلال تذكير زيلينسكي بوضوح بأن أوكرانيا تعتمد على الدعم الأمريكي، وجّه ترامب رسالة صارمة إلى جميع الدول التي تطلب المساعدة: عصر الدعم اللامشروط قد انتهى. العلاقات الدولية باتت أكثر من أي وقت مضى محكومة بالمصالح الاستراتيجية والتجارية.
السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: كيف يمكن للدول النامية أن تصمد أمام ضغوط القوى الكبرى دون الخضوع لمطالبها؟
ما هو مؤكد أن شكلًا جديدًا من الهيمنة والإمبريالية الاقتصادية بدأ يلوح في الأفق، بلا أقنعة أو مجاملات.