مولاي عبد الحكيم الزاوي: الكتابة التاريخية والنقاشات النقدية

مولاي عبد الحكيم الزاوي: الكتابة التاريخية والنقاشات النقدية مولاي عبد الحكيم الزاوي
للنقد حكاية طويلة جدا، وهي حكاية مسار تاريخي اعتملت في تجاويفه مخاضات من الفعل وردود الفعل...حدثت طفرات كبرى في هذا المسار، وكانت تعقبها احتباسات ظلت تعيد إلى الواجهة النقاش حول "اختمار الممارسة النقدية" إلى درجة الصفر كما قال رولان بارت...مع النصف الثاني من القرن العشرين ستشغل الإشكالية النقدية كثيرا عموم الباحثين، وستصير مادة دسمة لإعادة النظر في السرديات الوجودية..لم يكن قِسم التاريخ بمنأى عن ذلك، بدأت تظهر مُنذئذ ممارسات نقدية تُظهر تحللها من رواسب الماضي، وتدعو إلى ضبط قواعد الكتابة التاريخية، والقطع مع الكتابة التاريخية الهاوية...دعا هؤلاء إلى نقل الكتابة التاريخية نحو مرتبة "الصَّنعة" أو "الحَرفة" أو "المهنة" من أجل تشييد أفق منهجي: تسييج حقول المعرفة التاريخية.

 وبالفعل، أثار موضوع النقد التاريخي ولا يزال جَلبة قوية في مسارات اشتغال المؤرخين ونظرائهم من علوم مجاورة، وخاصة في العالم الاسلامي. فداخل بِنية هذا العالم كانت الصراعات السياسية والمذهبية قد صرفت خلال القرن الثاني الهجري اهتمام المُحدثين بممارسة النقد التاريخي للروايات، وجرى  تدوين وتوثيق الأحاديث استنادا على قواعد الجُرح والتعديل، لتمييز الأخبار الصادرة عن الرسول، الصحيح منها والمردود...فارتبط منهج النقد التاريخي في الكتابة التاريخية الاسلامية بالعلوم الدينية ارتباطا وثيقا، وانصهر النقد في جُبَّة علم الحديث. وفيما بعد، حضيت إسهامات ابن خلدون في موضوع النقد التاريخي بأهمية فائقة من طرف المؤرخين، لكونه حاول ربط منهج الكتابة التاريخية بطبائع العمران البشري وبقواعد السياسة والعلم من أجل تمحيص الروايات التاريخية.
 
 وغير بعيد عن دائرة الكتابة التاريخية الإسلامية، أرست مدرسة القديس سانت مور بأوروبا في عصر النهضة علم "نقد الوثائق"، وجعلت من المؤرخ الإنسي شخصا مُتقفيا لرصيد الآثار التي تُمكنه من مقارعة خصومه الدينيين، في سياق موجة الصراع بين الكاتوليكيين والبروتستنانيين،  والتي فرضت العودة إلى قراءة التراث الاغريقي والروماني، قراءة إنسية.
 
في هذا المنحى، لا بد من استدراج كتاب مهم جدا لفهم القضية النقدية. يتعلق الأمر، بكتاب: "مدخل الى الدراسات التاريخية" الذي أنجزه كل من فيكتور لانغلوا وشارل سينوبوس خلال القرن التاسع عشر. والكتاب في عمومه يطرح تصورا جوهريا في تعقب الإشكالية النقدية في الكتابة التاريخية، وضبط مهنة المؤرخ من خلال دفع المؤرخ إلى ممارسة النقد الخارجي والداخلي، والاهتمام بالوثيقة المكتوبة، وبالحدث الذي يماثل التجربة عند علماء الطبيعيات، ونقل التاريخ إلى دائرة العلوم من خلال الاهتمام بتدوين الملاحظات والهوامش والبيبليوغرافيا، وعدم لجوء المؤرخ إلى استعمال الحدس وإنما إلى عملية نحث المفاهيم، كما دعوته إلى التحرر من كل الانتماءات السياسية والثقافية والدينية والقومية.
 
 في عشرينات القرن الماضي سيتواصل النقاش النقدي مع بروز مدرسة الحوليات الفرنسية، التي انتفضت على مبادئ التاريخ الوضعاني، وكانت هذه المدرسة قد أهملت الحدث لفائدة البنيات، وطردت الأفراد لفائدة المجتمع، وعادت بالمهمشين إلى دائرة الضوء، وقرَّبت التاريخ من العلوم الانسانية. وتظهر ملامح هذه الثورة المنهجية من خلال دعوة الحوليات إلى كتابة تاريخ اشكالي من دون أن يكون آليا بعبارة جاك لوغوف، وبالاهتمام بشخصية المؤرخ وبالمصادر غير المكتوبة التي تدخل المؤرخ في تناهج مع العلوم الانسانية.                 يتبع