عبد السلام بنعبد العالي: تحوّل دائم لما لا ينفك يتجدد

عبد السلام بنعبد العالي: تحوّل دائم لما لا ينفك يتجدد عبد السلام بنعبد العالي

السنوات الأخيرة، وعند نهاية الفصل الأخير من كل سنة دراسية، وبعد اجتياز الامتحان في كل مادة، صار من المشاهد المتكرّرة عندنا أن نرى أمام المدارس أوراق الدروس مبعثرة على الأرصفة المجاورة لا ينفك منظر هذه الأوراق التي تكاد تغطي تلك الأرصفة جميعها، يثير دهشتي واستغرابي كل مرة أصادفه أمام المدرسة التي أقطن بجوارها.

 

دفعني الفضول أن أسأل أحد التلاميذ الذي لم يكن ربما يتجاوز سن الإحدى عشرة سنة، وهو منهمك في تمزيق أوراقه، عن السبب في ذلك؟ فرد علي مقطّبا: "انتهت جهنّم، تخلصنا منهم". أحسست أن الأمر جدي، وربما "مأسوي "، وأنّه لا يقتصر على مجرد البهجة باقتراب موعد الإجازة، وإنّما هو أعمق من ذلك، لأنّه يعني العلاقة التي أصبحت تربط التلميذ بالمدرسة وبالدروس ودفاترها، وهي كما وصفها هذا التلميذ، علاقة "جهنمية"، علاقة محنة وعذاب.

 

لا مشهد مثل هذا يوضح لي الفارق بين علاقتنا بالثقافة التي عشنا وتربينا في أحضانها، والتي جعلتني أحتفظ إلى اليوم ببعض الدروس التي تلقيتها في مختلف أسلاك التعليم، وبعض الدفاتر التي تربطني بذكرياتي مع المدرسة ومع بعض المدرسين، وبين علاقة هذا الجيل بالمدرسة ودروسها ومدرسيها.

 

تساءلت: ماذا عساه يكون وجه التعذيب فيما يربط تلميذ اليوم بالمدرسة؟ أهي طبيعة الثقافة وما تُضمره من قيم؟ أم هي مناهج التدريس ومواد الدراسة التي ربما لم يعد التلميذ يجد فيها نفسه؟ أم هي فقط كثرة الحصص، وكم المعارف، وغزارة المواد؟ قد يكون أبناؤنا يرغبون في ثقافة مغايرة تستجيب إليها مكتشفات التقنية عندما تجعلهم في غنى عن حفظ المعلومات وتخزينها، بل حتى عن كتابة الدروس ونسخها فربما لم يعد جيل "المنعرج الرقمي" في حاجة إلى ثقافة ترسخ القيم، و"تنقل" المعارف، وتحفظ التراث، وإنّما إلى ثقافة تُمكنه من أن يستجيب، كل لحظة لواقع لا يفتأ يتنكر لذاته وماضيه، وربما حتى لقيمه لعل ما تأخذه الأجيال الصاعدة على تعليمنا كونه لا ينظر إلى الثقافة على أنّها استجابة لحظية متحولة ومتجددة للعالم ومتغيراته، وإنّما على أنّها حفظ وترسيخ ، حفظ لقيم وحفاظ على تراث وتقليد.

 

ربما لا ينتظر منا الجيل الصاعد أن نكتفي بتغيير مفهومنا عن العملية التعليمية فحسب، وإنّما هو يريد منا أن نعيد النظر في فحوى المعرفة ذاتها وفضاءات إنتاجها، فنأخذ في الاعتبار ما ألحقه "المنعرج الرقمي" بقدراتنا السيكولوجية، وكمّ معلوماتنا وكيفية توزيعها وتداولها، وما أدى إليه ذلك من تحوّل لطبيعة المعارف وفضاءات اكتسابها، مما جعل تحصيلها ليس محدّدا بحدود، فربّما لم يعد في حاجة لأن يتوقف عند جدران، ولا أن ينحصر في سنوات بعينها من العمر.

 

كأنّ هذا الجيل يريد منا أن نأخذ في الاعتبار أنّ "مواطن" مجتمع المعرفة مواطن من طينة جديدة، وأنّه لا يفتأ يتعلم، بل إنّه لا ينفك يتعلم كيف يتعلم. ذلك أنّ التعلم لم يعد حصرا على نخبة، ولا وقفا على سن. ما يطبعه اليوم هو الامتداد، الامتداد بأوسع معانيه؛ فلا هو وقف على أفراد، ولا هو يحفظ في الصدور، ولا هو يؤخذ عن أفواه معينة، وفي وقت بعينه. بل إنّه لم يعد "يؤخذ"، لأنه لم يعد تحصيل معلومات بقدر ما هو اكتساب مهارات. إنَّه لم يعد تعلما، وإنّما غدا تعلم كيفية التعلم. وحتى هذه الكيفية لا تتوزع بين من يمتلكونها ومن يتلقونها، إنّها ليست وقفا على مؤسسة، ولا هي تؤخذ عن أهل العلم والمعرفة.

 

هو ربما لم يع الساهرون على تربية الأجيال الصاعدة بما يكفي التحولات الكبرى التي أدخلها المنعطف الرقمي على المفهومات الأساس التي كانت تقوم عليها ثقافتنا حتى اليوم. ولعل أهمها مفهوم الزمان ذاته. ذلك أنّ مفهوم الزمان الذي أصبح "المنعطف الرقمي" يفرضه في حياتنا المعاصرة، لم يعد يرتكز أساسا على مفهومات الاتصال والحضور، حيث كان نمط "الحاضر" النمط الذي يفرضه المفهوم المكرس عن الزمان.

 

يسعى المنعطف الرقمي إلى خلخلة هذا المفهوم، بإعادة النظر في العلاقة بين أنماط الزمان التقليدية وجعل الحاضر " يمتد بعيدا حتى يبلغ المستقبل الذي يستجيب للماضي". تفرض علينا هذه الزمانية Temporalité أن نعيش اللحظي لا الآني. اللحظي هو قرار" التاريخ النقدي الذي ينزل مثل الساطور على ثقل الماضي وثقل الحاضر " كما يقول نيتشه. لا يعني ذلك أنّ علينا أن نعيش اللازمان، وإنّما أن نعيش ضد الراهن l’intempestif، أي أن نرتمي في المستقبل ونبحث عن النماذج القديمة، لكن ليس في الماضي البعيد أو القريب، وإنّما في المستقبل الآتي. هذا ما يجعل ثقافة اليوم ليست ثقافة نقل وحفظ وتدوين، وإنّما ثقافة اللحظة. والرمشة.

 

إنّها ليست ثقافة الأذن والذاكرة، ليست ثقافة الصوت والرواية المتروّية، وإنّما ثقافة الصورة والتصوير السريع. هي إذن استجابة لحظية لعالم لا يفتأ يتبدل. هذا هو التغيير الذي تنتظره منا الأجيال الصاعدة: إنّها لا ترفض الوصل، ولا تتنكر للماضي، وإنّما تدرك الوصل على أنّه ليس ثبات ما يُنقل ودوامه، كما أنّه ليس نفيه وإلغاءه، وإنّما على أنه التحوّل الدائم لما لا ينفك يتجدد.

 

عن مجلة "المجلة"