أمام رفعها سعر البوطا.. لماذا ترفض الحكومة تطبيق الضريبة على الثروة؟..عائشة العلوي تعلق

أمام رفعها سعر البوطا.. لماذا ترفض الحكومة تطبيق الضريبة على الثروة؟..عائشة العلوي تعلق عائشة العلوي
منذ تنصيب الحكومة التي يترأسها عزيز أخنوش، رفعت شعار الدولة الاجتماعية، وبعد تجاوز نصف ولايتها لماذا لم تستطع فرض تطبيق الضريبة على الثروة، لحل المشاكل الاقتصادية التي تتخبط فيها الدولة، وفي المقابل تلجأ إلى الحلول الترقيعية والتي كان ضمنها الزيادة في "البوطاغاز".
جريدة "
أنفاس بريس" فتحت هذا النقاش مع خبراء، ومحللين اقتصاديين، ننشر رأي عائشة العلوي، خبيرة اقتصادية، وفاعلة مدنية:
 
إن الاستمرار في سياسة نهب جيوب المواطنين/ات يتناقض تماماً مع مفهوم الدولة الاجتماعية واستراتيجية القضاء على الفقر والتهميش في المغرب. تؤدي هذه السياسة إلى إضعاف الطبقة المتوسطة التي تعد صمام الأمان الاجتماعي والاستقرار السياسي، ومحركاً للتنمية في مختلف أبعادها الثقافية والاجتماعية والبيئية والسياسية والاقتصادية.
يوهم الخطاب الحالي بأن الزيادة في الأسعار طفيفة ولا تستحق كل هذا الانتقاد والمطالبة بإيقافها. ولكن الحقيقة أنها زيادة مكلفة جداً، حيث تؤثر بشكل مباشر على دخل الأسر والأفراد من الطبقات الفقيرة والمتوسطة، كما ترفع أسعار جميع المواد الاستهلاكية بشكل غير مباشر، خصوصاً المواد الأولية ومنتجات الفلاحة المعيشية.
العلاقات الإنتاجية والاستهلاكية متشابكة ومترابطة، وتؤثر في بعضها البعض. يُستخدم غاز البوتان في إنتاج العديد من المنتجات الفلاحية الأساسية في المطبخ التقليدي المغربي، وكذلك في الأكلات السريعة التي يعتمد عليها الأجراء والمستخدمون والموظفون/ات والطلبة والتلاميذ وغيرهم. وبالتالي، فإن تكلفة المعيشة اليومية في العمل أو الجامعة أو المدرسة ستشهد ارتفاعاً كبيراً، مما يؤدي إلى العديد من المشاكل الاجتماعية والنفسية لهذه الفئات. يُضاف إلى ذلك عبء الكراء والنقل، ليزداد الوضع سوءاً مع ارتفاع تكلفة الطعام اليومي. كيف السبيل للتنمية إذا كان المواطن/ة مقهوراً اجتماعياً واقتصادياً؟
السياسة الحالية في المغرب ليست سياسة دولة اجتماعية، بل هي سياسة ليبرالية مع بعض التحفيزات الاجتماعية البسيطة. يتوهم البعض أن تسيير الدولة والمجتمع يشبه تسيير مقاولة اقتصادية أو مالية، ويكفي توزيع بعض الدراهم في الأعياد والمناسبات ليظل المواطن (الأجير) قادراً على الإنتاج. ولكن هناك فرق شاسع بين المواطن/ الوطن/ الحضارة، وبين الشركة/ الربح/ الخسارة؛ فالأولى تستمر في الزمن متشبثة بعمقها التاريخي وبعدها الحضاري والجغرافي، بينما الثانية متقلبة وقابلة للزوال.
ومن المعلوم أن الدولة تتدخل لتطبيق سياسة تضامنية شمولية في بعض القطاعات الاجتماعية التي تهم السواد الأعظم من مواطنيها، مثل الصحة والسلم السياسي والاجتماعي. لذا، يمكن اعتبار زيادة سعر "البوطا" تهديداً حقيقياً لصحة وأمن المواطن/ة، لأنها تجبره على التخلي عن بعض المنتجات الضرورية لنموه الجسدي والعقلي والنفسي، أو استبدالها بمنتجات غير معروفة المصدر وغالباً غير مطابقة لشروط السلامة.
لا يجب أن ننسى أن الاستهلاك في المغرب موسمي، مرتبط بالمحاصيل الفلاحية.
 سابقاً، كان المواطن/ة قادراً على تدبير وضعيته المالية بتنسيق مع أسعار المنتجات في الأسواق، التي كانت تعرف مواسم رخاء، أما الآن، فإنه يعاني من إرهاق شديد جراء استمرار زيادة أسعار المواد، واستقرارها عند مستويات مرتفعة رغم انخفاض أسعارها دولياً، مثل أسعار المحروقات. فما بالك إذا أضفنا لهذه الوضعية زيادة سعر "البوطا"؟
الجميع يعلم بالوضعية الحالية للمغرب، والتحديات العديدة التي يجب تخطيها، مثل ضعف التمويل الداخلي، وضعف الادخار، وارتفاع المديونية، وتراجع النمو، والتغيرات المناخية. لكن هذا لا يبرر اللجوء للحلول السهلة. لقد برهنت التجارب التاريخية على فشل سياسة إرهاق وقهر المواطن/ة، سياسياً أو اجتماعياً أو اقتصادياً أو ثقافياً. والأمثلة والدروس التاريخية عديدة في هذا السياق. لذا، بدلاً من إبعاد الدولة عن دورها الرئيسي في دعم القطاعات الاجتماعية وحماية مواطنيها، يجب تعزيز حضورها عبر سن سياسة حقيقية تهدف إلى التوزيع العادل للثروات، وفرض ضرائب على الثروة، ومحاسبة ناهبي المال العام، وتقليص الأرباح المهولة، وتخليق الحياة السياسية، وتشجيع المجتمع المدني والمقاولات الاجتماعية.
في النهاية، الدعم الاجتماعي البسيط الذي يتم تقديمه لا يعوض ما يتم اقتطاعه من جيوب المواطنين من خلال هذه السلسلة من "الإصلاحات" التي تهدف إلى إلغاء صندوق المقاصة. هناك العديد من مصادر الثروة، ويكفي أن تكون هناك إرادة حقيقية وغيرة وطنية لتحقيق التنمية.