أريري: حكاية ليل باريس الذي يهيم فيه 11% من سكان المدينة!

أريري: حكاية ليل باريس الذي يهيم فيه 11% من سكان المدينة! الزميل عبد الرحيم أريري رفقة Agnes المسؤولة عن حانة ومطعم Le Bouquet بباريس
إذا كان من عار تحرص مدينة باريس على غسله، فهو عار الليل الذي ظل يطارد الذاكرة الجمعية لسكان المدينة منذ القرون الوسطى، حين كانت باريس تهرع لإحكام غلق أبواب المدينة بمجرد ما يرخي الليل سدوله، ليس لطرد الأرواح الشريرة وحسب، بل بالأساس للاحتماء وراء الأسوار ضد الغزاة.
 
وبقدر ماساهم فلاسفة التنوير والثورة الصناعية والتمدن السريع في تحرر سكان باريس من هذا الموروث القروسطوي الأسود ، حتى أجبروا على الخضوع "للعار الليلي" في الحرب العالمية الثانية بعد زحف الألمان على كامل تراب فرنسا وطرد جيش هتلر للحكومة الشرعية من باريس، حيث أغلق النازيون من جديد أبواب باريس في وجه الحركة بدءا من الساعة 6 مساء إلى الساعة السادسة صباحا.
 
وهذا مايفسر كيف أن أول فضاء عرف تحررا مفرطا بعيد استقلال فرنسا عن الاحتلال النازي، هو الفضاء العمومي بباريس، بحكم أن المدينة كانت( ومازالت) هي مركز الثقل السياسي والإداري والصناعي والمالي بفرنسا، بشكل دفع السلطة العمومية المركزية إلى التساهل في تسليم التراخيص الخاصة "بصناعة الليل"، تعلق الأمر بملهى أو حانة أو مطعم أو فندق أو مسرح أو سينما. لدرجة أن باريس اليوم تضم 5000 حانة و200 ملهى ليلي( منها 850 مؤسسة تتوفر على ترخيص ب"النشاط والترفيه" إلى مابعد الثانية صباحا). أي أن هناك حانة لكل 440 مواطن بباريس، معظمها "حانات الدرب" أو "بار الحومة" يلتقي فيها القاطنون في الحي المعني وتختلط معهم جموع السائحين القادمين من مختلف دول المعمور !
 
هذا التحول في مورفولوجية المدينة وفي جغرافيتها وفي وظائف شوارعها وأحيائها من الناحية الزمنية( النهار والليل)، جعل سلطات باريس تضع نصب عينيها "ليل باريس" كإحدى الأولويات في أجندة البلدية وولاية أمن باريس.
إذ منذ بداية الألفية الحالية والبلدية تستعين بمكاتب دراسات وبخبراء في المجال السوسيولوجي والجغرافي لمعرفة أسرار الليل بباريس، ليس من باب الترف، بل لأن حانات وملاهي باريس تستقطب يوميا مابين 200 ألف و250 ألف فرد، أي 11% من مجموع سكان البلدية، هذا دون الحديث عم ما تمثله هذه الحانات والملاهي من أوعية للتشغيل ومضخات لضخ الموارد في الخزينة العامة. وبالنالي برزت الحاجة للاهتمام "بشعب الليل" وتأمين رفاهيته وضمان حاجياته في ديمومة وسائل النقل الحضري وتوفير الأمن والإنارة العمومية وتهيئة الساحات والفضاءات وخلق آليات لفض النزاع بين المحلات الليلية والسكان المجاورين، إلخ...خاصة وأن باريس، تستقطب 28 مليون سائح في السنة (أي أن هناك 77 ألف سائح يحط قدميه بباريس كل يوم) !
 
من هنا حرص سلطات البلدية وولاية الأمن بباريس على الاستعانة بشكل دوري بعدة مكاتب( مثل،IFOP ،APUR ،FORS، أو بباحثين مرموقين في الظاهرة الحضرية من عيار LUC GWIAZDINSKI، وغيره..) لمساعدة السلطة العمومية على إيجاد جواب على الأسئلة التالية: ماهي سلالة الأفراد الذين يهيمون ليلا؟ كم عددهم؟ أين يتوزعون حسب دوائر المدينة؟ كم يستهلكون؟ ماذا يستهلكون بالأساس؟ ماهو الزمن الليلي الأكثر استقطابا للسكان: هل الفترة بين 2 مساء ومنتصف الليل، أو تلك الممتدة من منتصف الليل إلى الثانية صباحا، أم هي الفترة الفاصلة بين الساعة 2 والخامسة صباحا؟
 
ومع تولي العمدة "بيرتراند دولانوي" مقاليد البلدية من 2001 الى 2014، تم توسيع دائرة الإهتمام ب "شعب الليل" ليشمل أيضا أولئك العاملين ليلا بالمرافق العامة والخاصة( شرطة، مطافئ، أطباء، ممرضون، شغيلة النقل العمومي، حراس الأمن الخاص، الخ..)، على اعتبار أن الدراسة بينت أن 25 % من الفئة النشيطة بباريس تعمل في الليل كاملا، و15% من الفئة النشيطة تعمل الى حدود منتصف اليل، (أي ثلث العاملين بالمدينة من المجموع العام) الذين لهم أيضا مطالب وحاجيات يتعين توفيرها من طرف الفاعل العمومي بباريس، حيث تعكف باريس حاليا على إعداد "ميثاق الحياة بالليل" la charte de la vie nocturne، لكي لا يهرب "زوارها" نحو مدن يحظى فيها الليل بقدسية عالية، من قبيل: لندن وبرلين وبرشلونة.
 
وصدق LUC GWIAZDINSKI، أستاذ الجغرافية الحضرية، حين قال: " ليل باريس له الشيئ الكثير مما يود أن يحكيه للنهار".