الصادق العثماني: في الحاجة للنظر بعمق في مقاصد شريعتنا الإسلامية..  

الصادق العثماني: في الحاجة للنظر بعمق في مقاصد شريعتنا الإسلامية..   الصادق العثماني
ما أحوجنا اليوم إلى تحديث الفقه الإسلامي والنظر في تجديد قواعده على وجه الخصوص، لأن القواعد الفقهية المستنبطة من النصوص الشرعية مبنية على مقاصد الدين وعلى المرونة، وبالتالي تصبح لها القدرة على التفاعل مع قضايا العصر ومستجداته..
 
فمقاصد الدين تغوص في حقائق الأعيان وفي خصوصياتها المؤثرة، وليس بالأسماء التي تطلق عليها، وفي هذا السياق يقول ابن القيم في إعلام الموقعين: “الاعتبار بالحقائق، وأنها هي التي عليها المعول، وهي محل التحليل والتحريم، والله تعالى لا ينظر إلى صورها وعباراتها التي يكسوها إياها العبد، وإنما ينظر إلى حقائقها وذواتها” فالمسكرات مثلا يحرم تناولها وإن سميت بغير اسم الخمر، كذلك لا يحرم ما لا يسكر وإن سمي باسم شبيه بالخمر، فنصوص الشرع الحنيف قد نصت على العلة والصفة المؤثرة في تحريم الخمر.. فعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ” رواه البخاري. فإذا وجد الإسكار وجد التحريم وإذا غاب غاب التحريم معه..
 
فهذه العقلية الفقهية المقاصدية التي كان قد امتطاها سادتنا الفقهاء وفعلوها على أرضية واقعهم الاجتماعي والثقافي والسياسي والديني وبمنظور إنساني رحموتي، هي التي أنتجت لنا فتاوى إسلامية حضارية رائعة، كفتوى في نازلة وجود القليل من الماء لدى حارس السجن هل يحتفظ به لشرب الأسير الكافر، أم يستعمله في وضوئه للصلاة؟ فأفتوا بعض السادة المالكية بضرورة الإبقاء على الماء القليل لشرب هذا الأسير حماية لحياته، والاكتفاء بالتيمم، وهذه الفتوى تتماشى ومقاصد الدين الإسلامي الحنيف الذي كرم الإنسان وفضله على جميع مخلوقاته، وخصوصا إذا كان هذا الإنسان قد وقع في الأسر ولا قدرة له على الدفاع عن نفسه، هنا يخاطبنا القرآن الكريم من فوق سبع سماوات بمنح الأسير -وأي اسير مسلم أم غير مسلم- حق الطعام والشراب والعناية.. وهي في الحقيقة أرقى صورة من صور حماية الحق في حياة الإنسان رغم الاختلاف في الدين والمعتقد والجنس واللون والقبيلة، يقول سبحانه وتعالى “وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا”.
 
كما نستحضر في هذا المقام بعض الفتاوى الحضارية المتنورة للسادة المالكية في ما يتعلق بالأحوال الشخصية، كفتوى حق الزوجة المتوفى عنها زوجها أو المطلقة بأنها تأخذ نصف تركة زوجها إذا كانت تعمل جنبا إلى جنب بجانب زوجها ويسمى بحق “الكد والسعاية”، وهذا الحق معمول به في المحاكم البرازيلية المنقول بالحرف الواحد عن القوانين المدنية الفرنسية والتي بدورها نقلته عن الفقه المالكي في هذا الباب، وقد سُئل العلامة أحمد ابن عرضون المالكي (توفي سنة 992هـ/1548م) عن نصيب المرأة بعد انقضاء الزوجية بالطلاق أو الوفاة، فأصدر فتواه الشهيرة في أرجوزة على طريقة أغلب فقهاء المالكية قال فيها:
وخدمة النساء في البوادي للزوج بالدراس والحصاد قال ابن عرضون رحمه الله: لهن قسمة على التساوي بحسب الخدمة.. وفتوى العلامة ابن عرضون هي فتوى مؤصلة من واقعة حصلت في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ففي عهد خلافته توفي عمر بن الحارث الذى كان زوج لامرأة هي حبيبة بنت زريق، وكانت حبيبة نساجة خياطة طرازة، وكان زوجها يتاجر في ما تنتجه وتصلحه حتى اكتسبوا جراء ذلك مالا وفيرا، ولما مات الزوج وترك المال والعقار فإن أولياءه تسلموا مفاتيح الخزائن؛ إلا أن الزوجة تمردت على التقاليد والأعراف ونازعتهم في ذلك، وحين اختصموا إلى عمر بن الخطاب اجتهد في المسألة ونظر فيها من منظور مقاصدي تبين له بأن هناك ظلما وقعا على هذه المرأة، فقضى لها بنصف التركة، ثم الدخول مع الورثة في النصف الباقي.
 
وختاما، فالخطاب الديني -للأسف الشديد- لدى أغلب الدعاة والمشايخ والفقهاء اليوم هو خطاب فوضوي تسطيحي عاطفي مثالي، مهمته دغدغة عواطف أبناء المسلمين وجمع ما يمكن جمعه من الإعجابات على حساباتهم “الفيسبوكية” دون معالجة همومهم ومشاكلهم الحقيقية التي يتخبطون فيها.

لهذا نحن بحاجة ملحة للنظر بعمق في مقاصد شريعتنا الإسلامية، التي غايتها سعادة الإنسان، مع ضمان غذائه وحريته وسلامته وأمنه واستقراره.. هذه المقاصد الإسلامية والإنسانية الواسعة تُعد محطات انطلاق تأسيسية وجذرية لخطاب التجديد الديني..