عباس الجراري: صانع الأجيال

عباس الجراري: صانع الأجيال الراحل عباس الجراري
تعددت الجوانب التي تناول من خلالها برنامج مدارات ، شخصية عميد الدراسات الادبية بالمغرب الراحل عباس الجراري. هنا إضاءة لهذه الجوانب :
 
■ الجراري وأياديه البيضاء : 
قال الباحث محمد أحميدة، بأن الراحل الدكتور عباس الجراري، عمل على خلق مدرسة خاصة ترتبط بثقافة الصحراء، حيث شجع الباحثين وأطّرهم، وأدخل هذا الدرس إلى الجامعة المغربية. وشدد على أنه أطر مجموعة من الباحثين، الذين اتجهوا إلى البحث في أدب الصحراء المغربية ، وما يتميز به هذا التراث من غنى وأصالة، مذكرا بما أنجز تحت إشرافه من الرسائل والأطاريح الجامعية ، ومستحضرا كذلك في هذا السياق، ما أنجزه الدكتور أحمد مفدي، والدكتور محمد الظريف، والدكتور أبو بكر إلياس ، وغيرهم من الأسماء التي انصرفت إلى  البحث في هذا المجال.
وفي سياق متصل، أكد الأستاذ محمد احميدة بأن الدراسات المنجزة حول الروابط التاريخية والروحية والثقافية بين المغرب وأقاليمه الجنوبية،  أثبتت بما لا يدع  مجالا للشك تلك الروابط العريقة والقديمة،، التي تجمع أقاليمنا الشمالية بالجنوبية. وأضاف مذكرا ف باالدرس الرمضاني الذي  ألقاه الدكتور عباس الجراري رحمه الله، في حضرة الملك المغفور له الحسن الثاني. وكشف نفس المتحدث بأن المرحوم حكى له "أنه بعد الانتهاء من ذلك الدرس ، نادى الملك الحسن الثاني رحمه الله، على الوزير عز الدين العراقي الذي كان يومئذ وزيرا للتربية الوطنية، ونظرا لإعجاب الملك بالدرس"، قال له بهذه العبارة بالدارجة المغربية ، مبديا إعجابه باالدرس : "شْحَالْ عَنْدَكْ مَنْ عَبَّاسْ الْجِرَارِي فِي الْجَامِعَة؟". وأوضح الباحث محمد احميدة  أن الملك الحسن الثاني،  كان يقدر عباس الجراري كثيرا، وهناك إشارات في هذا الجانب وردت في سيرته الذاتية "رحيق العمر".
■ الجراري ومعركة الأدب الشعبي بالجامعة المغربية: 
وردا على سؤال للإعلامي عبدالإله التهاني يتعلق بدور المرحوم الدكتور عباس الجراري الريادي والمبكر، في الاهتمام بالأدب والتراث الشعبي والثقافة الشعبية عموما، ولاسيما منها تراث فن الملحون منذ أطروحته الموسومة بـ "القصيدة الزجلية في المغرب" ، التي ناقشها في جامعة القاهرة بكثير من الإقتدار سنة 1969، أوضح الدكتور محمد احميدة بأن اهتمام الراحل بأدب الملحون، هو اهتمام بجانب من الهوية المغربية، مبرزا أنه كان يرى أن الإبداع الحقيقي للمغاربة في الجانب الأدبي، يتجلى في قصيدة الملحون،  الذي يتجسد في تلك اللغة العامية الراقية،أي ديوان المغاربة. وهو جزء من تراث أمتهم .
في هذا السياق، أوضح ضيف برنامج "مدارات " أن طموح الراحل عباس الجراري،  كان يرتبط بإنجاز رسالة ديبلوم الدراسات العليا في الزجل المغربي، وفي الملحون بالضبط، لكنه انصرف إلى الشعر المغربي المعرب، من خلال دراسته لشعر أبي الربيع سليمان الموحدي، ولكنه أصر على أن تكون أطروحته لنيل الدكتوراه ، من صميم الأدب الشعبي ممثلا في أدب الملحون. فكان كتابه "الزجل في المغرب / القصيدة".
وكشف محمد احميدة بأن الراحل اعباس الجراري،  عانى الكثير من أجل إدخال هذا الأدب إلى الدرس الجامعي، ولكنه استطاع بصموده أن يدخل هذا الأدب  على مستوى الإجازة، من خلال تدريسه لأدب المقاومة عند المغاربة، وضمنه أدب الملحون،  حيث سعى إلى تطوير هذا الاتجاه ، من خلال إشرافه على العديد من الرسائل والأطاريح الجامعية .
■ نظرة الجراري للثقافة الامازيغية  : 
وارتباطا بنفس الموضوع ، أشار الباحث محمد احميدة ، بأنه يحسب ويحمد  للراحل الجراري، اهتمامه المبكر بالثقافة الأمازيغية على المستوى الجامعي، حيث كان مشجعا لهذا الاتجاه، واحتضن العديد من الطلاب الذين أصبحوا فيما بعد أساتذة جامعيين.
وأبرز  الباحث احميدة بأن الدكتور الجراري، كان يوفر مساعداته للباحثين في هذا الشأن ، وأورد في شهادته نموذج الدعم الذي كان يقدمه للدكتور عمر أمرير مثلا ، ليس فقط على مستوى الدرس الجامعي والبحث الأكاديمي، وإنما  أيضا دعمه لهذا الباحث  في بقية  أعماله ، حينما خرج بها إلى مجال الإعلام وتحديدا من خلال  البرامج التي كان يقدمها في الإذاعة والتلفزة، حيث كان يهون عليه ما يصادفه من تعب. 
■ صانع جيل الباحثين الجدد :   
وفي ذات السياق،استحضر الأستاذ  محمد احميدة موقف منظمة اليونسكو،، التي رفعت من شأن هذا الأدب الشعبي المغربي، والذي أدرج ضمن قوائم التراث الإنساني، وهو إنصاف للرسالة التي بدأها الدكتور عباس الجراري، في العناية بالثقافة الشعبية وشدد  الباحث محمد احميدة، أن ما حققه المغرب بهذا الاعتراف من طرف منظمة اليونيسكو، من خلال اعترافها بأدب الملحون تراثا إنسانيا لا ماديا، لم يكن سوى نتيجة لعقود من العمل العلمي الجاد، في الدفاع المستميت عن هذا التراث الأدبي المغربي،والذي ساهم به عميد الأدب المغربي في مستويات متعددة. وأشار إلى أن هناك باحثين من الرواد ،اشتغلوا على فن الملحون ،كالأساتذة محمد الفاسي وأحمد سهوم وعبد الرحمان الملحوني، وغيرهم. وأضاف موضحا بأن مشروع عميد الأدب المغربي يتميز بطابعه الأكاديمي،  على اعتبار 
أن كتابه "القصيدة"، هو عمل مؤسس في هذا الباب، بحكم كل  ما قام به العميد الراحل، من أجل إدخال الأدب الشعبي إلى الجامعة المغربية، ودمجه في الدرس الجامعي ،،سواء في سنوات الإجازة أو من خلال الأبحاث الجامعية ، التي يتم إنجازها في مستويات مختلفة.
 ولم يفت ضيف برنامج "مدارات" أن يذكر بما قام به العميد الجراري في إطار أكاديمية المملكة المغربية، حيث كان هو المشرف على اللجنة التي هيأت دواوين الملحون ، ودعم هذه اللجنة بطلبة شباب باحثين ، تتلمذوا على يده في هذا الباب، في إطار تصور عميد الأدب المغربي للاستمرارية في هذا البحث.
واستطرد موضحا بأن هناك اليوم  باحثين جامعيين من الجيل الجديد، في هذا المجال، مستحضرا منهم الأساتذة منير البزكري وعبد الوهاب الفيلالي، ومولاي علي الخميري، وعبد الله جنان، وهم بدورهم يعملون على تكوين جيل آخر ، لاجل ضمان  هذه الاستمرارية في الاهتمام بأدب الملحون .
■ الجراري وسؤال الهوية المغربية : 
وردا على سؤال للاعلامي عبدالإله التهاني،، بخصوص اهتمام الراحل عباس الجراري بمسألة تثبيت الهوية المغربية، أوضح الباحث محمد احميدة بأن المستويات المختلفة التي ناضل فيها الأستاذ عباس الجراري،  دفاعا عن هذه الهوية، ودفاعه عن الثوابت الوطنية، وعن الثقافة المغربية، كان الجميل
 في كل هذا،، أنه كان يعمل على ترسيخ هذه القيم في طلابه.. وشدد نفس المتحدث أن الجراري  كان صاحب مدرسة بمفهومها الأدبي، لها أعمدتها، ولها طلابها، وإنتاجها.
■ رسالة النادى الجراري : 
وجوابا على سؤال يتعلق بالنادي الجراري ،،أوضح الدكتور محمد احميدة بأنه أقدم نادي أدبي في المغرب، نظرا لاستمرار نشاطه الأدبي، وانتظاميته طيلة حوالي قرن من الزمن،  اعتبارا من تاريخ تأسيسه سنة 1930 إلى سنة 2024.  بأنه خلال سنة 2020،  تم الاحتفال بالذكرى التسعين لتأسيسه. وذكر في هذا السياق بأن النادي الجراري قام بمواكبة كبيرة على مستوى الساحة الثقافية المغربية، وتم هذا الدور في مستويات متعددة، سواء من خلال الندوات والمحاضرات التي ينظمها، أو من خلال المنشورات التي كان النادي يصدرها بمجهود الراحل الخاص، علما أنه كان -رحمه الله - يرى أن ذلك جزءا من أساسيات رسالته،، في إغناء الساحة الثقافية.
ومن مميزات النادي الجراري،  أوضح الدكتور محمد احميدة، أنه كان متنوعا في مستويات متعددة، حيث كان يضم أعضاء من مختلف مناطق المغرب منذ التأسيس، ولم يكن ناديا أدبيا بالمعنى الضيق،  وإنما كانت  تقدم فيه عروض كل مساء جمعة، في مختلف المعارف. وقدم كمثال آخر المحاضرات التي قدمت في جلسات النادي الجراري، وكان موضوعها حول الدماغ، قدمها الدكتور الطبيب محمد بلغميدي باللغة العربية. وأورد ضيف برنامج" مدارات" بأنه كان قد أصدر ثلاثة كتب ، حول حصيلة النشاط الفكري للنادي الجراري.
■ وصية العميد الجراري: 
 وعن سؤال يتعلق  مستقبل النادي الجراري بعد رحيل رئيسه العميد الجراري، أوضح الدكتور محمد احميدة بأن رفيقة دربه الأستاذة والمحامية حميدة الصايغ الجراري، واعية بالدور الذي كان يلعبه النادي الجراري، وهي مصرة على متابعة المسيرة، وإكمال الرسالة، والعمل بوصية المرحوم في أن يبقى النادي مؤسسة ثقافية وطنية، تساهم في تعزيز صرح الثقافة المغربية.