أحمد صحيف: دموع جبال شامخة

أحمد صحيف: دموع جبال شامخة أحمد صحيف
بينما غط جل سكان الجبل في نوم عميق بعد تعب، تحت سقف بيوت هشة، بيوت من طين، تشبه أهلها في بساطتها. كان مقياس ريختر لحظتها، وعلى غير عادته، يسلك منعرجا خطيرا، ويتمايل في مشيته أفقيا وبشكل متسارع. وفي لحظة، أصيب برعشة قوية قادمة إشاراتها من باطن الأرض البعيدة هناك بجبال الأطلس الشامخة، ليصل إلى درجة خطيرة من مقياسه، درجة لم تسجلها ريشته لقرون على أرض المغرب، ولتهتز بعدها الأرض وبقوة خارقة تحت فراش أبرياء، ذنبهم الوحيد أنهم نُوّم، وظروف عيشهم لاتسمح لهم بسقف يحميهم في مثل هكذا كوارث، أو يقلل من خسائرهم. 
 
لم تستطع صخور الأطلس القوية، الصمود كثيرا أمام قوة الهزة، فانهزمت في أول اصطدام لها، لتفجر الأرض أحشاءها. حيث تحركت كأرجوحة في كل الاتجاهات، و امتداد تحركها وصل لأبعد نقطة من البلد. حيث عاش أهل المدن جحيم ليلة استثنائية وحزينة، ونالوا نصيبهم من الهزة الخارقة، جلهم لم يعش لحظات،  يرى فيها سكنا يتراقص من شدة الهزة، رعب وصراخ وعويل، تركوا بيوتهم لتعيش مصيرها، وفروا بعيدا عن كل المباني خشية من دمار وموت محقق، عاشوا تفاصيله من خلال تجارب لدول أخرى،  لازالت صورها ومآسيها عالقة في أذهانهم. قضى جلهم ليلته خارج مقر سكناه.
 
زلزال، كلمة صدحت بها كل الأصوات، زلزال وحّد أمة، جمع الأسرة بعد شتات، أعاد الدفئ للعلاقات، والألفة بين الجيران بعد غياب طويل. أما أهلنا بالجبل، فقد توقفت جل نبضات قلوبهم، مع تزايد صعود نبضات سلم ريختر. حيث دفن العديد منهم أحياء تحت الأنقاض، ليلة حزينة عاشها من تبقى من أهل القرية، قرى سويت بالأرض وبالكامل، وأخرى ممزقة والحطام في كل مكان. من يبكي من، ومن يواسي من، الفقد كبير، والدمار شامل. يعجز الإنسان السوي أن يصمد أمام هول الكارثة، وأمام دموع وحسرة أمهات وأطفال، فقدوا أعز الناس لديهم، فقدوا ممتلكاتهم رغم بساطتها، فقدوا معنى الحياة.
 
ولأن معدنهم أصيل ومتأصل، لم يترك المغاربة إخوتهم في الجبل وفي كل المناطق المتضررة لوحدهم في مواجهة مصيرهم المحتوم، فانخرطوا طواعية إلى جانب مختلف مصالح الدولة، لتقديم الدعم اللازم والمواساة. 
 
بأيادي عارية، نبشوا الثراب بحثا عن ناجين، وانتشلوا ضحايا، تجمعوا في صفوف ممتدة لساعات من أجل التبرع بدم لأجل إخوتهم المصابين والجرحى جراء الزلزال، قدموا مساعدات غدائية وماء وغطاء.
 
لقد قدم المغاربة ملحمة في التضامن والتآزر في هذه الفاجعة المروعة، وأثبتوا للجميع عن لحمة وتضامن لا مشروط، ورسالة هامة جدا، على أن شعبنا عظيم و يستحق فعلا الحياة وبكرامة.