المصطفى رياني: النقد الثقافي لأنساق الثقافة الرقمية

المصطفى رياني: النقد الثقافي لأنساق الثقافة الرقمية المصطفى رياني

يعيش العالم حاليا على وقع التطور الهائل في المجالين التكنولوجي والرقمي أحدث متغيرات عميقة في منظومة القيم المجتمعية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية للمجتمعات المعاصرة التي أصبحت تعيش تحت هيمنة العولمة الرقمية بأبعادها المختلفة. وقد اعتمدت العولمة على تكنولوجيا الاتصال من الانترنيت والهواتف الذكية وشبكات التواصل الاجتماعي لتمرير ثقافتها من تصورات وتمثلات وقيم  ومعلومات وأخبار لامتناهية. أغرقت اهتمامات الأفراد والمجتمعات بخلفيات متعددة تصب في استراتيجية توجيه الرأي العام بمختلف أنواعه السائد والصامت والمتردد، مستعملة الإعلام والدعاية. فما هي الثقافة الرقمية؟ وما هي إيجابياتها وسلبياتها ؟ وماهي البدائل الثقافية والتربوية الملحة التي يمكن للدولة والمجتمع القيام بها، حتى يتمكن المجتمع أفرادا وجماعات من التعامل مع التدفق الهائل للمعلومات والتمييز بين المعلومات الزائفة والكاذبة والمفبركة والمعلومات التي يمكن الوثوق بها واستعمالها؟

 

1- واقع الثقافة الرقمية في المجتمع المعاصر

إذا كان المجتمع الرقمي في المجتمعات المتقدمة هو وليد  سيرورة الحداثة والعقلانية والتطور، فإن الطفرة الرقمية في المجتمعات النامية أصبحت واقعا معاشا إلى جانب بنية ثقافية تقليدية لمجتمعات لا زالت تعاني ساكنتها من الأمية الأبجدية والتكنولوجية والمعلوماتية. خلق تناقضا في الممارسة اليومية للثقافة الرقمية كما شكل تناقضا في الوعي الثقافي للمواطن بين ثقافة تقليدية تكرس الجمود وثقافة حداثية ذات مقومات غير مكتملة  تطمح  إلى اللحاق بالركب الحضاري للعصر. فأصبح واقع  الهشاشة الثقافية والرقمية يلقي بثقله على الجميع.

 

هذا التناقض وما ولده من هشاشة مزمنة ، هو أيضا نتيجة للفقر والتهميش الذي يعاني منه نسبة كبيرة من هذه المجتمعات. يتطلب مشروعا شاملا للتنمية ومنها التنمية الرقمية التي ستسهل على المواطنين الاستفادة من حق الولوج إلى الانترنيت والمواقع الاجتماعية. تجعل المواطن يستفيد إيجابا من الطفرة الرقمية حتى لا يصبح متجاوزا في سيرورة التطور التكنولوجي والرقمي الذي تعرفه المجتمعات المعاصرة. وكذلك العمل على التوعية لبناء ثقافة رقمية صحيحة في عالم يفترض التعامل مع المعلومة والصورة بوعي ويقظة لتفادي السقوط في شباك الأخبار الزائفة وتأثيرها السلبي حتى لا يصبح المواطن من ضحايا العالم الافتراضي وما يقدمه أحيانا من أخبار زائفة ومن نصب واحتيال.

 

في هذا السياق، أصبح التطور الرقمي يحتم على جميع الفاعلين الانخراط الفعلي والمساهمة لإعادة تشكيل  الخطاب الثقافي على أسس عقلانية يساهم بشكل إيجابي في صناعة الرأي العام النقدي بفكره وقناعاته في وجه عالم التفاهة والشعوبية التي تستغل وعي الناس وبساطتهم ومشاعرهم استغلالا ثقافيا وسياسيا للهيمنة على الفضاء العمومي والعالم الافتراضي كمدخل للهيمنة على مفاصل الدولة والمجتمع.

 وقد واكب سياق التطور الرقمي للعولمة تفكك قيم المجتمع وتراجعها بحيث ارتفع مؤشر الفساد والرشوة وهيمنة قيم الفردانية والأنانية وغياب الثقة في المؤسسات والسياسيين. و لمواكبة تطور العصر في سياقه العام الرقمي، يتطلب من المجتمع العلمي والمدني القيام بمسؤولياته التثقيفية داخل المجتمع لإعادة بناء الوعي الثقافي والتواصلي عند المواطن ليصبح منتجا ومستهلكا وناقدا، لكل ما يقدم له من خطابات ومعلومات من طرف الوسائط الرقمية حتى لا يسقط في المغالطات وتزييف الحقيقة.

 

2 - الثقافة الرقمية وثقافة الصورة

لقد اعتمدت الثقافة الرقمية على الصورة بأبعادها السيميائية والدلالية، خلقت متغيرات هائلة. وغيرت الشيء الكثير من تمثلاتنا وطريقة عملنا اليومي وفي قيمنا وسلوكاتنا. بحيث ساعدت في سرعة الاتصال والتفاعل باستعمال الحاسوب والهواتف الذكية والانترنيت ومواقع التواصل الاجتماعي وتطبيقات متعددة. جعلت المواطن قادرا على الاستفادة من التكنولوجيا الحديثة بمختلف الأعمار. كما تم اعتماد الوسائط الرقمية للتعليم عن بعد لتجاوز إكراهات جائحة كورونا للتفاعل مع المتعلمين. أبانت هذه العملية عن واقع الهشاشة الرقمية التي تعرفها الفئات الفقيرة والمناطق المعزولة في العالم القروي. ويفترض هذا الواقع ضرورة تدخل الدولة لإنصاف المواطن المهمش قصد الاستفادة العادلة من التكنولوجيا الرقمية واستعمالها. وكذلك، تسهيل الاستفادة من خدمات الربط بشبكة الانترنت من طرف شركات الاتصالات المعنية وتقليص الهوة الرقمية بين البوادي والمدن. هذا مع جعل المؤسسات التعليمية تستفيد من الربط المجاني لتسهيل استفادة التلاميذ والطلبة  من الخدمات التي توفرها شبكة الأنترنت.

 

أيضا، مكنت الثقافة الرقمية من القيام بالمعاملات التجارية من بيع وشراء في عالم الأعمال والخدمات والترفيه والتي يمكن للمواطن القيام بها عن بعد. لكن هذه الإيجابيات والخدمات لا يستفيد منها الجميع، نظرا لواقع الفقر والهشاشة التي يعاني منها فئات اجتماعية عريضة، والتي تفترض وجود سياسة رقمية عادلة وديمقراطية تنصف الجميع للاستفادة من الخدمات الرقمية لتجاوز واقع الإقصاء والتهميش.

 

في هذا السياق، يبقى الدور الحاسم في معادلة التطور الرقمي هي شبكات التواصل الاجتماعي التي حولت المواطن من مجرد مستقبل للمعلومات والصورة إلى فاعل في تدبير استعمالها والتعليق عليها، في غياب التكوين الرقمي. فأصبح المواطن يتفاعل مع الصورة إيجابا أو سلبا، لما تحمله من خطاب. كما أصبح  ينتج موقفا معينا حسب مستواه وتكوينه. وكذلك، حسب طبيعة وعيه صحيحا كان أم زائفا، في معادلة الحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية.

 

وتعد الصورة في شبكات التواصل الاجتماعي آلية العالم الافتراضي التي تساهم بشكل فعال في التأثير وتشكيل الرأي العام وتوجيهه إيجابا أو سلبا بممارسة النقد في الواقع الفعلي. لكن، بالمقابل أصبحت سلبيات التطور الرقمي تتصاعد أمام الاستعمال غير السليم لهذه التكنولوجيا، وخصوصا أمام مواطن لم يستفد بعد من الحداثة وقيمها وتفشي الأمية المركبة الأبجدية و التكنولوجية والمعلوماتية في صفوف المجتمع. حيث غياب قيم الحوار والاختلاف والتسامح لا تزال متفشية بشكل يجعل شبكات التواصل الاجتماعي تساهم في تعميق هذه المظاهر السلبية، كنشر مظاهر الشعوذة والروتين اليومي والتشهير بالغير والمس بأعراض الناس وخصوصياتهم والمساهمة في نشر الأخبار الكاذبة بدون التحقق من مدى صحتها.

 

أيضا، أصبحت الوسائط الرقمية ترهق الأسر ماديا ومعنويا وخاصة في واقع جائحة كورونا. لما أصبحت تسببه من مشاكل لتربية الأبناء وصحتهم الجسدية والنفسية وعلى دراستهم أثناء الحجر الصحي، نظرا لصعوبة مراقبة وتقنين هذه التكنولوجيا سواء من طرف الآباء والأمهات أو في فضاءات المدارس. كما ساهمت الصورة الرقمية وثقافتها في تكريس العزلة وتقليص البعد الاجتماعي وإعادة إنتاج الفردانية بشكل ينعكس سلبا على ثقافة التضامن والتعاون في قضايا الحياة العامة.

 

3 – بدائل من أجل ثقافة رقمية ديمقراطية وعادلة

تفترض الثورة الرقمية وما أحدثته من تطور تصورا واضحا لآليات المعالجة سواء من الدولة أو المجتمع في إطار قانوني  يحترم حرية التعبير للمواطن، وبدون المس بهذا الحق الكوني والدستوري الذي يعد من الحريات الأساسية التي تشكل أسس المواطنة و قيمها التي تنظم الحقوق والواجبات. هذا بالإضافة إلى البحث عن معالجة ثقافية في التعاطي مع هذا التطور الهائل في المجال التكنولوجي والتواصلي، وأن لا يقتصر الأمر على المقاربة الأمنية فقط. فالمقاربة الثقافية بأبعادها الديمقراطية والعقلانية التي تساهم في تنوير المجتمع قادرة على الحد من انتشار التفاهة والرداءة والشعبوية واستفحال الظواهر السلبية والتجاوزات في المجال الرقمي.

 

إن المقاربة  الثقافية والمتفاعلة جدليا مع المقاربة السياسية الحداثية و الديمقراطية، من شأنها إعادة بناء الثقافة الرقمية بشكل إيجابي وفعال، كامتداد لثقافة المواطنة وقيمها التي تنصف الإنسان وتصون كرامته في جميع المجالات. وهذا يفترض القبول بحتمية التغيير البناء كضرورة العصر ومتطلباته والأخذ بأسباب التقدم وبسيادة مجتمع العلم والمعرفة المبني على سلطة العقل للحد من واقع الفوضى الرقمية التي نعيشها مع احترام المواطن وحقه في حرية التعبير.

 

لذلك، فالفاعل الثقافي الواقعي والرقمي مطالب بأدوار تربوية وثقافية واستراتيجية مهمة في العالم الرقمي، للنهوض بالثقافة الرقمية التي تساهم في إنتاج المواطن الصالح الذي يساهم في بناء مجتمعه بشكل مسؤول. وذلك، وفق استراتيجية محددة تهدف إلى تحقيق التطور والتقدم و ترسيخ قيم المواطنة والديمقراطية و حقوق الإنسان والإسلام المتنور، لبناء المواطن الصالح والمتصالح  مع ماضيه وحداثته ويساهم في نشر ثقافة رقمية قوامها ترسيخ ثقافة الاختلاف والتعدد والاعتراف والتضامن والعيش المشترك، في مجتمع ينصف الجميع ويحصنه من الإقصاء والتهميش والقمع الرمزي والمادي. كما تفترض متطلبات العصر تنمية  شاملة وحقيقية في المدن والبوادي لمسايرة المتغيرات التكنولوجية و الطفرة الرقمية التي يشهدها العالم. وهذا لا يمكنه أن يتحقق إلا من منظور تصور ديمقراطي جديد للثقافة الرقمية يؤسس لبناء المجتمع رقمي عادل، مجتمع العلم والمعرفة والتواصل، بمضمون تنموي يساهم في بناء المستقبل وتحدياته المركبة.

 

إن ثقافة الصورة الرقمية أصبحت سلاحا ذو حدين في التأثير والتوجيه. وتفرز قيم وظواهر وسلوكات إيجابية وسلبية في نفس الوقت. هذا الواقع يفرض القيام بمجهودات تربوية وثقافية جبارة للنهوض بالتربية الرقمية المندمجة مع العملية التربوية التي تقوم بها المدرسة العمومية. هذه الأخيرة تتطلب بدورها تحديثا ودعما ماديا؛ يجعلها النواة الصلبة للمجتمع. تعيد تشكيل الوعي المجتمعي بقيمه وثقافته والقادرة أن تجيب عن السؤال الثقافي المركب: أي إنسان وأية ثقافة نريد في عصر الطفرة الرقمية؟ إنه السؤال التربوي والثقافي الذي يفترض جوابا، يؤسس لمجتمع  متصالح مع ذاته ومع حداثته ويتجه نحو المستقبل بخطى واثقة لبناء مجتمع حداثي  يؤمن بالتعدد والاختلاف لمواجهة كل التحديات ومن بينها بناء ثقافة رقمية ديمقراطية وعادلة تستفيد منها جميع الفئات الاجتماعية.

 

خاتمة

يتضح مما سبق، أن الفاعل الثقافي الواقعي والرقمي مطالب بأدوار تربوية وثقافية واستراتيجية مهمة للنهوض بالثقافة الرقمية التي تساهم في إنتاج المواطن الصالح الذي يساهم في بناء مجتمعه بشكل مسؤول. لأن الأمل يبقى في انبثاق ثقافة وأدب وفن واقعي ورقمي مغاير ومختلف؛ يؤسس لنسق ثقافي جديد. يساهم في إرساء قيم رفيعة، تعيد للإنسان قيمه الإنسانية المبنية على التواصل والتضامن والتعاون لبناء مجتمع يتوفر على مناعة ثقافية تستند على العلم والمعرفة والأدب والفن. وكذلك، تفكيك التشيئ وبنيته الاستغلالية التي أنتجت الظواهر السلبية لتحصنه من التفاهة والشعوذة والنصب والاحتيال في الفضاء الواقعي والرقمي. وذلك اعتمادا على ثقافة الإنصاف والاعتراف والاختلاف وبناء وعي إنساني يساهم في حل الأزمة المركبة للمجتمع الرقمي، بمقاربة نقدية تنصف الإنسان قوامها الفكر العقلاني المسؤول، لتصحيح اختلالات المجتمع وبناء ثقافة ديمقراطية لمواجهة الهشاشة. وكذلك  العمل على إعادة  تشكيل الثقافة الرقمية في المجتمع بمنهجية عادلة ومتوازنة تجعله قادرا على التفاعل والتواصل مع العالم من موقع المواطن المسؤول الذي يساهم في بناء مجتمعه وثقافته بأسلوب نقدي يحصنه من الاستلاب والاغتراب الرقمي.

 

- المصطفى رياني، أستاذ باحث في الآداب والترجمة، طنجة