ناجي الكتامي: حصانة الدفاع ضمانة جوهرية لحق المتقاضي

ناجي الكتامي: حصانة الدفاع ضمانة جوهرية لحق المتقاضي ناجي الكتامي
يثير مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة عدة إشكالات في مختلف مضامينه، غير أن أبرز ما يطرح نفسه كتراجعٍ حقوقي خطير يتمثل في المساس بحصانة الدفاع، والحال أن هذه الحصانة تشكل ضمانة جوهرية لحق المتقاضي في دفاع مستقل وجريء.
ليست حصانة المحامي امتيازا شخصيا يمنح لفئة مهنية، ولا درعا للإفلات من المسؤولية، بل هي في جوهرها صمام أمان لحقوق المتقاضين، وشرط لازم لكي يؤدي الدفاع رسالته دون خوف أو تردد أو حسابات خارج منطق القانون، فحين يجرد المحامي من الحصانة، لا يكون هو المتضرر بقدر ما يتضرر المتقاضي الذي يجد نفسه بلا صوت حر داخل قاعة المحكمة.
 
إن الدفاع لا يمكن أن يكون فعالا ما لم يكن مستقلا، ولا استقلال بلا حماية قانونية تحصن الكلمة القانونية الجريئة، والمرافعة الصريحة، والدفوع التي تزعج السلطة أحيانا لأنها تضعها أمام مرآة القانون، فالحصانة هنا ليست حماية للشخص، بل حماية للفكرة، وللحق، وللمشروعية.
 
وتتجلى أهمية حصانة الدفاع بشكل أوضح في الملفات ذات الطابع الحقوقي والسياسي، حيث يكون ميزان القوة مختلا، ويصبح المحامي آخر خط دفاع عن الحريات الأساسية. ففي قضايا معتقلي الرأي والحقوقيين، لا يطلب المتقاضي محاميا صامتا أو حذرا، بل محاميا قادرا على مساءلة الرواية الرسمية، وعلى تفكيك منطق الاتهام، وعلى رفع الصوت حين ينتهك الحق في التعبير أو التنظيم أو الاحتجاج السلمي.
 
لقد تعلمنا في الماضي الحديث من حراك 20 فبراير أن الشارع حين يتحرك، فإن القضاء يمتحن، وأن الدفاع حينها لا يكون مجرد تقنية قانونية، بل موقفا أخلاقيا وقانونيا في آن واحد. وبينت ملفات حراك الريف أن المحامي الذي يترافع في قضايا مشحونة سياسيا وإعلاميا، يحتاج إلى حصانة تحميه من تحويل المرافعة إلى تهمة، ومن جعل الدفاع نفسه موضوع متابعة أو تضييق.
 
أما جيل "Z"، جيل المنصات الرقمية والوعي الحقوقي الجديد، فقد أعاد طرح سؤال الحرية بلغة مختلفة، وبوسائل حديثة، لكنه يظل في لحظة المواجهة محتاجا إلى نفس الضمانات الكلاسيكية: محاكمة عادلة، وقاض مستقل، ومحام محصن في كلمته، فحرية التعبير لا معنى لها إن لم تجد من يدافع عنها داخل المؤسسات بقوة القانون لا بمنطق الخوف.
 
إن إضعاف حصانة الدفاع يعني عمليا إضعاف حق الدفاع وتحويل المحامي إلى مجرد وسيط صامت لا شريك في إحقاق العدالة ويفرغ المرافعة من فلسفتها، كما يعني توسيع دائرة الصمت داخل قاعات المحاكم، خاصة في القضايا التي تتطلب جرأة قانونية لا مجاملة وحزما حقوقيا لا ترددا.
 
لذلك، فإن النقاش حول حصانة المحامي ليس نقاشا مهنيا ضيقا، بل هو نقاش مجتمعي بامتياز، يتعلق بنوع العدالة التي نريدها وبمدى استعدادنا لحماية الحقوق حين تكون في أمس الحاجة إلى من يدافع عنها فكل مساس بحصانة الدفاع هو مساس بحق المتقاضي، وكل تضييق على المحامي هو تضييق على العدالة نفسها.
 
*ناجي الكتامي/محام