الدكتور أنور الشرقاوي: طبيبة متضررة تسائل صندوق الضمان الاجتماعي.. كيف يمكن ان يتحول القانون إلى عقاب مزدوج

الدكتور أنور الشرقاوي: طبيبة متضررة تسائل صندوق الضمان الاجتماعي.. كيف يمكن ان يتحول القانون إلى عقاب مزدوج الدكتور أنور الشرقاوي
في بلد يرفع شعار تعميم الحماية الاجتماعية، لا يُفترض أن يشعر أي مهني صحة، ولا أي مواطن، بأن المرض قد يتحول إلى عبء مالي مضاعف بسبب تعقيدات إدارية أو تأويلات صارمة للنصوص القانونية.
 ومع ذلك، تروي طبيبة تشتغل في عيادة خاصة تجربة صادمة مع الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، تجربة تختصر معاناة صامتة يعيشها عدد كبير من المنخرطين دون أن تجد طريقها إلى النقاش العمومي.
القصة تبدأ بتعثر مالي حقيقي. 
دخل العيادة لا يكون دائماً مستقراً، والظروف الاقتصادية لا ترحم. تتأخر الطبيبة عن أداء بعض المساهمات الشهرية، ثم تبادر بتسوية وضعيتها بشكل كامل. 
تؤدي مبلغاً مهماً يشمل المتأخرات وغرامات التأخير التي ينص عليها القانون.
 تتقبل ذلك، لأنها تؤمن بأن القانون يُطبق على الجميع، وأن من يتأخر عليه أن يتحمل تبعات التأخير.
بعد هذه التسوية، تلتزم الطبيبة بأداء مساهماتها الشهرية بانتظام في الأشهر الموالية. 
كل شيء يبدو وكأنه عاد إلى نصابه. إلى أن تتعرض الطبيبة نفسها  لطارئ صحي مستعجل، فتتقدم بملفها الطبي إلى الصندوق، لتصطدم بجواب لم يكن في الحسبان. 
حقوقك الصحية مغلقة، ولن تُفتح إلا ابتداءً من شهر لاحق. 
تضطر الطبيبة إلى أداء مصاريف العلاج من جيبها الخاص، دون أي تعويض.
وعندما تحاول لاحقاً إعادة إيداع الملف بعد فتح الحقوق، يأتيها الجواب القاطع : تاريخ التدخل الطبي كان خلال فترة إغلاق الحقوق، وبالتالي لا تعويض لك. هكذا، تجد نفسها وقد عوقبت مرتين. مرة بغرامات التأخير التي أدتها كاملة. ومرة بحرمانها من حق العلاج في لحظة كانت فيه أمسّ الحاجة إلى الحماية الاجتماعية.
السؤال الذي تطرحه الطبيبة اليوم ليس سؤالاً شخصياً. إنه سؤال يمس جوهر العدالة الاجتماعية.
 كيف يعقل أن يستخلص الصندوق جميع المتأخرات مع غرامات التأخير، فيُعيد المنخرط إلى وضعية قانونية سليمة، ثم يفرض عليه في الوقت نفسه عقوبة إضافية تتمثل في إغلاق الحقوق الصحية لعدة أشهر؟ 
أي منطق يحكم هذا التدبير؟
 وأي فلسفة للحماية الاجتماعية تبرر أن يُدفع المواطن الثمن مرتين عن الخطأ نفسه؟
الأكثر إرباكاً في هذه الحالة أن احتساب مدة العقوبة لا يبدأ من تاريخ التسوية، بل من شهر لاحق، رغم أن المساهمات قد أُديت فعلياً.
 النتيجة أن المنخرط يؤدي مستحقاته كاملة، ويظل في الوقت نفسه خارج التغطية الصحية في فترة يكون فيها القانون قد استوفى حقه المالي بالكامل.
هذا الوضع يطرح إشكالاً عميقاً في العلاقة بين الصندوق والمنخرطين.
 هل الهدف من الغرامات هو الردع المالي فقط، أم أنها تتحول عملياً إلى وسيلة لعقاب اجتماعي مزدوج؟
 وهل من المعقول أن يُحرم مواطن أو مهني صحة من حق العلاج بعد أن أدى ما عليه كاملاً، بما في ذلك الجزاءات القانونية؟
في بلد يعاني فيه كثير من المهنيين، أطباء وغير أطباء، من هشاشة الدخل وتقلباته، يصبح هذا النوع من التدبير مصدر قلق حقيقي. 
فالمنخرط لا يتهرب من واجباته، بل يسعى لتسوية وضعيته. 
وعندما يفعل ذلك، ينتظر من مؤسسة عمومية أن تعامله بمنطق الإصلاح لا بمنطق العقاب المستمر.
إن هذه الشهادة تكشف عن فراغ كبير في التواصل المؤسساتي.
 فالكثير من المنخرطين لا يفهمون بدقة كيف تُحتسب فترات إغلاق الحقوق، ولا لماذا تُمدد العقوبة رغم الأداء الكامل للمستحقات. 
هذا الغموض يولد شعوراً بالظلم، ويقوض الثقة في مؤسسة يفترض أن تكون سنداً اجتماعياً لا عبئاً إضافياً في لحظات الضعف.
اليوم، لم يعد كافياً الاكتفاء بالقول إن القانون يطبق على الجميع.
 السؤال الحقيقي هو كيف يُطبق هذا القانون، وبأي روح، ولأي غاية.
 هل الغاية حماية التوازنات المالية للصندوق فقط، أم حماية الإنسان الذي وُجد الصندوق أصلاً من أجله؟
ما تطلبه هذه الطبيبة، وما يطلبه معها كثيرون بصمت، ليس إعفاءً من الواجبات، بل وضوحاً وعدلاً.
 وضوحاً في القواعد، وعدلاً في التطبيق، حتى لا يتحول الالتزام إلى فخ، ولا تصبح الحماية الاجتماعية شعاراً جميلاً يخفي وراءه ممارسات قاسية على أرض الواقع.
إن مسؤولية صناديق الضمان الاجتماعي اليوم ليست فقط في التحصيل، بل في بناء ثقة حقيقية مع المنخرطين. 
ثقة تقوم على الإنصاف، وعلى فهم الواقع المهني والاجتماعي، وعلى إدراك أن المريض لا يختار لحظة مرضه، وأن من أدى ما عليه لا ينبغي أن يُعاقب مرتين.
هذه ليست قصة طبيبة واحدة. إنها مرآة لوضع يحتاج إلى مراجعة جريئة، وإلى نقاش وطني مسؤول، حتى لا يبقى الصمت سيد الموقف، ولا تبقى المعاناة حبيسة المكاتب والملفات المغلقة.
 
 الدكتور أنور الشرقاوي 
 خبير في التواصل الطبي والإعلام  الصحي