محمد براو غالبًا ما تُقرأ الاحتجاجات في إيران، خصوصًا من خارجها، بوصفها مؤشرات مباشرة على قرب الانهيار أو التغيير الجذري. صور الحشود، الحقيقية منها والمفبركة، تُضخَّم بسرعة في وسائل الإعلام الغربية لتغذية آمال قديمة لدى دوائر سياسية وإعلامية تراهن منذ عقود على «التحول القادم». غير أن هذه القراءة تكشف أكثر مما تشرح؛ فهي تعكس وهمًا تحليليًا وسردية أيديولوجية أكثر مما تعكس فهمًا واقعيًا لبنية الدولة الإيرانية وآليات اشتغالها.
لا شك أن إيران تعيش واحدة من أكثر فترات الضغط الداخلي حدة في السنوات الأخيرة. فمحركات الاحتجاجات الحالية اقتصادية بالأساس: تضخم مرتفع، انهيار العملة، بطالة، وتراجع حاد في مستوى المعيشة. ويُضاف إلى ذلك اتساع القاعدة الاجتماعية المشاركة، من تجار وعمال وطلاب وشرائح من الطبقة الوسطى، ما جعل الحراك يتأرجح بين المطالب المعيشية والنقد السياسي، وفي بعض الأحيان يتحول إلى مساءلة أوسع لأداء الحكم.
غير أن الغضب الشعبي، مهما بلغ عمقه، لا يساوي تلقائيًا ثورة. فالتغيير الجذري يتطلب شروطًا مركّبة: قيادة منظمة، انقسامًا حادًا داخل النخبة، تآكل السيطرة على الأجهزة الأمنية، وانهيارًا في شرعية الخطاب الأيديولوجي للدولة. وحتى اللحظة، لا تتوافر هذه الشروط في الحالة الإيرانية. فمراكز القوة الأساسية—محيط المرشد الأعلى، الحرس الثوري، والمؤسسات الأمنية—لا تزال متماسكة، والمعارضة منقسمة، والبدائل المطروحة، وعلى رأسها الخيار الملكي المدعوم أميركيًا وإسرائيليًا، تفتقر إلى القبول الشعبي داخل إيران وحتى بين معارضي الخارج.
في المقابل، تصرّ السردية الغربية على تصوير الاحتجاجات كمنعطف تاريخي حاسم. هذا الإصرار لا ينبع من قراءة موضوعية للواقع، بل من رغبة سياسية مزمنة في إسقاط نموذج أيديولوجي غربي على دولة نشأت أصلًا في مواجهة الهيمنة الغربية. فإيران ليست دولة “عادية” في النظام الدولي؛ إنها كيان ثوري يحمل مشروعًا أيديولوجيًا وجيوسياسيًا متماسكًا، بُني عبر عقود من الصراع المفتوح مع الولايات المتحدة وحلفائها، ومدعوم بتحالفات إقليمية وشبكات نفوذ عابرة للحدود. مثل هذا المشروع لا يُقوَّض باحتجاجات ذات طابع اقتصادي، مهما بلغ الضجيج الإعلامي حولها.
وتتجلى خطورة هذا التوظيف في التداخل المباشر بين الحراك الاجتماعي والضغط الخارجي. فتصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الملوّح فيها بإمكانية التدخل في إيران بذريعة «حماية المتظاهرين»، تكشف بوضوح الطابع الأداتي لهذا الخطاب. فهي لا تعبّر عن حرص على الحقوق أو الحريات، بقدر ما تسعى إلى شرعنة التدخل وإعادة إنتاج منطق الوصاية الإمبريالية. وقد جاء الرد الإيراني حازمًا، مؤكدًا أن السيادة الوطنية خط أحمر، وأن أي تدخل خارجي سيحوّل إيران إلى ساحة مواجهة إقليمية مفتوحة، بكلفة تتجاوز الداخل الإيراني إلى المصالح الأميركية وحلفائها.
ومفارقة هذا النوع من التهديدات أنها غالبًا ما تأتي بنتائج عكسية. فبدل إضعاف النظام، تؤدي إلى تعزيز تماسكه الداخلي عبر توحيد التيارات السياسية المختلفة حول خطاب السيادة والمقاومة. وهكذا يُختطف حراك اجتماعي مشروع ويُدفع قسرًا إلى مربع الصراع الجيوسياسي، ما يفرغه من مضمونه الاجتماعي ويضعه في مواجهة مباشرة مع الدولة.
تاريخ إيران الحديث يدعم هذا الاستنتاج. فالحركة الخضراء عام 2009 انتهت بتشديد القبضة السياسية لا بالانفتاح، واحتجاجات 2017–2019 أفضت إلى حلول اقتصادية مؤقتة دون تغيير بنيوي، واحتجاجات 2022 عقب وفاة مهسا أميني أنتجت تحولات اجتماعية غير رسمية لكنها لم تمس الإطار القانوني والمؤسساتي. في كل مرة، أثبت النظام قدرته على الصمود والتكيف الانتقائي بدل الانهيار.
كما أن الادعاء الغربي بأن إيران دولة منغلقة أو شمولية بالكامل يتجاهل عمدًا تعقيد نظامها السياسي، الذي يضم تعددية مؤسساتية، وانتخابات، وصراعات داخل النخبة، وهوامش نقاش لا تنسجم مع الصورة الكاريكاتورية السائدة في الإعلام الغربي. هذه التعددية المحدودة، مهما كانت قيودها، تشكّل صمام أمان يسمح للنظام بإدارة الأزمات بدل السقوط تحت ضغطها.
وفي الوقت نفسه، لا يجوز التقليل من دلالة الاحتجاجات. فهي تعكس مجتمعًا يعيش تحت ضغط داخلي وخارجي شديد، ونظامًا مضطرًا إلى إدارة الأزمات باستجابة تفاعلية دائمة. لقد أسهمت موجات الاحتجاج المتكررة في تقليل حاجز الخوف من جهة، وفي تعزيز خبرة النظام في الاحتواء من جهة أخرى. هذا التوتر المستمر قد يفرض، على المدى المتوسط والطويل، تعديلات تدريجية في السياسات والحسابات داخل النخبة، لكنه لا يبشّر بتغيير فجائي وسريع.
وخلاصة القول: إن ما يجري في إيران اليوم ليس ثورة ولا حتى تحديا خطيرا للنظام، بل معركة سرديات بين واقع دولة مصممة على الصمود، ووهم خارجي يراهن على الانهيار. النظام الإيراني مرجّح أن ينجح في احتواء الأزمة لأنه يمتلك أجهزة أمنية متماسكة، وخبرة تاريخية في إدارة الضغوط، وغياب بديل سياسي منظم، وقدرة على تقديم تنازلات اقتصادية محدودة، إضافة إلى توظيف الخطاب الأيديولوجي والديني لتعزيز شرعيته.