المصطفى رياني: دفاعا عن الإبداع البشري

المصطفى رياني: دفاعا عن الإبداع البشري المصطفى رياني

يشكل الذكاء الاصطناعي طفرة تكنولوجية غير مسبوقة في عدة مجالات و مهن مهمة، كالصناعة و الطب و الهندسة و الخدمات، لتسهيل و تسريع الإنجاز و العمليات، في عالم تحكمه المنافسة الشرسة بين الشركات و الدول. و ذلك من أجل الربح و الهيمنة على الأسواق و توجيه المستهلكين واقعيا و رقميا، عبر توجيه الحاجيات و الاستهلاك، في عالم يعيش على إيقاع السرعة والسيولة و اللايقين.

لقد أصبح الإنسان خاضعا للتقنية و الثقافة الرقمية بإيجابياتها و سلبياتها و مستلبا بوتيرة السرعة و التغيير المستمر. جعلت منه كائنا أداتيا في معادلة الإنتاج و الاستهلاك. في وقت، يتطلب منه التحكم في التقنية و توجيهها لخدمة مصلحته من خلال خلق مجتمع جيد و متوازن، لتحقيق العيش الكريم. و هذا الهدف يفترض اعتماد الذكاء البشري و قيمه الإنسانية و التخلص من قيم الفردانية و الأنانية و أزمتها البنيوية و المركبة التي تتطلب التفكيك و التجاوز، لمعالجة أسباب الإقصاء و التهميش و نشر ثقافة الاعتراف و الإنصاف.

بالمقابل، يجعلنا الإبداع البشري في حوار و تواصل جدلي مع الفكر و العلم و الأدب و النقد و التفاعل البناء مع الواقع. كما يمنحنا هذا الإبداع الطاقة الإيجابية للتفكير و الكتابة بشكل عميق و مستمر لإعادة تشكيل المعنى و بناء الواقع من أجل عالم إنساني ينتصر لقيم الحوار و التفاهم والتضامن و التعاون و نبذ الكراهية و العنصرية و الإقصاء. و الكتابة البشرية الجادة و الهادفة تجعل الحياة ممكنة بالأمل بالرغم من الإكراهات و التناقضات و الصراع و المصاعب التي تعترض الإنسان. كما أن الكتابة الحقيقية تساعد على التفكير البناء و البحث عن المعنى في عالم مضطرب باللايقين و الصراع و الحروب. إن الإبداع الإنساني يدفع الكاتب البشري لطرح الأسئلة و يمنح الإنسان مسالك النجاة من اليأس و الضياع و الاغتراب. و ذلك بربط الوجود الإنساني بأهداف و قيم نبيلة يطمح إلى تحقيقها كالعدالة والتعاون و التضامن و الإنصاف. كما تساهم هذه القيم في بناء المشترك الوطني و الإنساني و تحمي المتلقي من التفاهة الزاحفة في جميع مجالات الحياة.

في هذا السياق، تفتح جدلية القراءة و الإبداع البشري أفقا فسيحا للتفكير البناء و إنتاج المعنى سواء في حياتنا الخاصة أو العامة. كما تجعلنا القراءة نكتشف نسبية أفكارنا أمام مفكرين و أدباء و إبداعاتهم ، بحيث نصبح أكثر حكمة في التعامل مع الأفكار و أ كثر موضوعية في التحليل و الدراسة و النقد، لإعادة بناء المعنى في الكتابة، سواء كانت فكرية أو أدبية تعبر عن نضج مستمر في الرؤية و المقاربة. لقد أصبح الإبداع البشري الجيد يواجه عدة تحديات في مقاربته لإشكالات الواقع في عالم يعرف تدريجيا هيمنة الذكاء الاصطناعي. هذا الأخير يمكن الاستعانة به في عدة مهن، لكن لا يمكنه تعويض قدرات الإنسان الإبداعية و ذكائه الطبيعي الذي يتفوق به على سائر المخلوقات. وهذا يتطلب من الإنسان المعاصر التحكم في تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي حتى لا يخرج عن سيطرته و توجيهاته.

في هذا السياق، يعتبر الإبداع الفكري و العلمي والأدبي مكسبا إنسانيا يعبر عن الإبداع البشري لمقاربته لأسئلة وجوده في معادلة الواقع والكون. يتطلب منه العناية و الاهتمام بهذه المقاربة الإبداعية و البشرية الأصيلة ، حفاظا على سردياته البشرية الطبيعية وعدم خضوعه لسرديات الذكاء الاصطناعي و ما ينتجه من نصوص. كما يعتبر التفكير و الإبداع البشري أفقا لإنتاج المعنى المتجدد في عالم متغير لتصحيح سلبيات الحداثة و ما أنتجته من تكنولوجيا متطورة حتى لا يفقد الإنسان بوصلته في هذا العالم.

إن الكتابة عن الواقع المركب يفترض و عيا و تفكيرا مركبا لطرح الأسئلة التي تهدف إلى معالجة مشاكل و سلبيات الواقع و ما يعرفه من تناقضات بمقاربة عقلانية و موضوعية. تعتمد التحليل و التفكيك و البناء من طرف الإبداع البشري لربط الظواهر بأنساقها وأبعادها الثقافية و الاجتماعية و السياسية، لإعادة بناء المعنى، باقتراح الحلول الممكنة في عالم متغير وسريع.

في نفس الوقت، يتطلب الذكاء الاصطناعي التقييم والتقويم و معالجة الأعطاب و السلبيات، كل من موقعه بإرادة حكيمة و نزيهة، لمواكبة العصر و مواجهة التحديات المركبة، باعتماد المعرفة العلمية التي تخدم مصلحة الإنسان. و تحميه من استلاب و اغتراب التكنولوجيا و تفتح له أفقا للأمل و العيش في واقع أفضل. و ذلك بحماية قدرات التفكير و الإبداع عند الباحثين و الكتاب و الفنانين بشكل خاص و الإنسان بشكل عام حتى لا يجد نفسه متجاوزا في معادلة التفكير و الإبداع من طرف الذكاء الاصطناعي. هذا الأخير يتطلب مقاربة عقلانية و أخلاقية لاستخدامه في خدمة الإنسان.