في إطار الاحتفال بالذكرى الخمسين للمسيرة الخضراء والأعياد الثلاثة نظمت سفيرة المملكة المغربية لدى جمهورية بلغاريا، زكية الميداوي، في 19 نونبر 2025 بجامعة سانت كليمنت أوهريد في صوفيا(Université Saint-Clément d’Ohrid de Sofia) ، ندوة أكاديمية خُصِّصت لموضوع: «الدستورية المغربية في القرن الحادي والعشرين « .
ولقد نُظِّمَت هذه الندوة بشراكة مع قسم الدراسات العربية واللغات السامية التابع لكلية الفيلولوجيا الكلاسيكية والحديثة بجامعة صوفيا، وكذلك مع مركز الدستورية والديمقراطية التابع لمؤسسة (Gallup International Balkan)، وقد استقطب هذا الحدث، الذي حَظِيَ بإشادة واسعة لما اتّسم به من احترافية وإحكام علمي، حضورًا استثنائيًا ضمّ سفراء ومسؤولين سياسيين بلغار وشخصيات عامة وممثّلين دينيين وصحفيين وباحثين وأكاديميين وطلبة.
وتزامنت هذه الفعالية القيمة أكاديميًا مع صدور كتاب "دستور المملكة المغربية" (منشورات جامعة سانت كليمنت أوهريد، 2025)، والذي أعدّ ترجمته إلى اللغة البلغارية الأستاذ الدكتور جورجي بليزناشكي (Guéorgui Bliznachki) ، خبير دستوري بارز ورئيس وزراء سابق ومؤلف أكثر من سبعين منشورًا مرجعيًا. وبفضل هذه الطبعة الجديدة، أصبح المغرب أول دولة عربية وإفريقية ومسلمة يُتَوفر دستورها كاملاً باللغة البلغارية. كما تجدر الإشارة إلى أنّ هذه الخطوة سبقتها مبادرات مماثلة شملت دستور كل من فرنسا والولايات المتحدة الامريكية وإسبانيا وإيطاليا والبرتغال واليونان وغيره.
وإلى جانب الأستاذ بليزناشكي (Bliznachki) ضم فريق العمل كذلك كل من الأستاذ الدكتور سيميون إفستاتيف (Dr.Simeon Evstatiev) ، مدير قسم الدراسات العربية واللغات السامية، والأستاذ ياسين طنان من جامعة ابن طفيل بالقنيطرة، والدكتور ستويان دوكليف (Dr. Stoyan Doklev) ، محاضر بجامعة صوفيا.
وفي كلمتها، أشادت سفيرة المملكة المغربية لدى جمهورية بلغاريا، زكية الميداوي بالقيمة الأكاديمية لهذا العمل، وذكّرت بأن النموذج المغربي يتميز بجذور تاريخية عميقة تمتد لآلاف السنين، تجمع بين النضج المؤسساتي والولاء للملكية والالتزام التدريجي بالقيم الديمقراطية العالمية.
كما استعرضت آخر التطورات المتعلقة بالقضية الوطنية، وخاصة اعتماد القرار رقم 2797 لمجلس الأمن الدولي الذي يكرس أسبقية مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الحل الوحيد الموثوق والدائم للنزاع المفتعل حول الصحراء المغربية.

وبعد الكلمة الافتتاحية التي ألقتها كل من الأستاذة مادلين دانوفا (Prof. Madeleine Danova) ، نائبة رئيس جامعة صوفيا، والأستاذة جيرغانا بيتكوفا ،(Dr. Gergana Petkova) عميدة كلية الحقوق والتاريخ، افتتح البروفيسور إيفستاتيف(Evstatiev) المناقشة باستعراض تطور الدستورية المغربية وتسليط الضوء على خصائص النموذج السياسي المغربي الحالي، مشيراً إلى القيادة الحكيمة للملك محمد السادس، والتعددية السياسية الفاعلة، كما أشاد بوجود آليات مؤسساتية ذات طابع مزدوج، وبالدور الهيكلي للمجتمع المدني وأكد أن المغرب يمثل اليوم نظامًا سياسيًا مستقراً ذي طابع مزدوج يجمع بين التقاليد الملكية والعصرنة التدريجية.
كما أكد البروفيسور بليزناشكي (Bliznachki) على الطابع التجديدي لدستور عام 2011، ولا سيما الفصل الثاني عشر المخصص للحكامة الرشيدة، والذي يضع إطارًا محكما قائمًا على الشفافية والمساءلة والمشاركة المدنية واستقلالية أجهزة الرقابة وهو نظام لا مثيل له في الملكيات الأوروبية. كما أشاد بالمنهجية الشاملة التي اعتمدها الملك محمد السادس خلال عملية وضع الدستور في عام 2011، والتي مكنت من تجنب الانحرافات الحزبية وضمان التوازن المؤسساتي.
من جانبه، أشار الأستاذ ياسين طنان إلى التطورات الهامة التي أدرجها دستور عام 2011، وهي: توضيح الصلاحيات الملكية، وتعزيز نظام البرلمان ذي المجلسين، وترسيخ استقلال القضاء، وهيكلة المجال التشريعي من خلال اللجوء بشكل أكبر إلى القوانين التنظيمية.
بالإضافة إلى ذلك، تمت دعوة الأستاذ طنان، في اليوم التالي للندوة، إلى الاستوديو التلفزيوني الوطني البلغاري BNT لتقديم شرح حول البنية المؤسساتية للمملكة المغربية، وكذلك حول مدى أهمية القرار 2797 الصادر عن مجلس الأمن الدولي والذي يكرس أسبقية مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الحل الوحيد الموثوق والدائم للنزاع المفتعل حول الصحراء المغربية.
.jpg)
وختاما، أجرى الدكتور ستويان دوكليف (Dr. Stoyan Doklev) تحليلًا للمكانة الخاصة التي يحظى بها الدين في الإطار الدستوري المغربي. وأكد بأن هذه الخصوصية متجذرة في تاريخ بلد يقع على مفترق الطرق بين إفريقيا وأوروبا، ويتميز بهوية متعددة الأوجه وشرعية دينية للملكية العلوية. وبرأيه، فإن الترابط بين العمق التاريخي والتعددية الثقافية ودور الملك بصفته أمير المؤمنين يمنح المغرب نموذجاً دستورياً فريداً في المشهد المعاصر.
ولقد اختتمت الندوة بجلسة عرض وتوقيع كتاب ” دستور المملكة المغربية“ للبروفيسور بليزناشكي (Bliznachki) و ذلك حول مائدة من الشاي المغربي والمأكولات التقليدية والحلويات المغربية، التي قدمتها السفارة المغربية والتي أضفت لمسة خاصة على أجواء الأمسية وأتاحت للمشاركين فرصة لتبادل الآراء في جو ودي.