الاستقرار وسط الإضطرابات العالمية
شهد العالم منذ مطلع الألفية الثالثة موجات من عدم الاستقرار: من تفجّر ما يسمى بـ"الربيع العربي"، إلى الأزمات المالية والاقتصادية، ثم الجائحة الصحية، دون أن ننسى تنامي التهديدات الإرهابية وظهور نزاعات جديدة في المحيط الإقليمي. ورغم هذه التحديات، استطاع المغرب الحفاظ على استقراره الداخلي، وتطوير نموذج تنموي خاص، بفضل حكمة الملك محمد السادس وتوجيهاته الاستراتيجية التي وضعت استقرار الوطن في صلب الأولويات، دون التفريط في الإصلاحات والانفتاح.
دبلوماسية فعالة ورؤية إفريقية
شكلت العودة إلى الاتحاد الإفريقي سنة 2017 لحظة فارقة في السياسة الخارجية المغربية، إذ أعاد المغرب تموقعه داخل قارته، من خلال دبلوماسية فعالة قادها الملك شخصيًا عبر جولات شاملة إلى العديد من الدول الإفريقية. لم تكن تلك الجولات رمزية فقط، بل أثمرت شراكات استراتيجية اقتصادية، ثقافية، اجتماعية وحتى أمنية، وأعادت للمغرب دوره كجسر حيوي بين إفريقيا وأوروبا.
هذه الدينامية ساهمت أيضًا في تعزيز موقف المغرب في قضية الصحراء، حيث بادرت العديد من الدول الإفريقية إلى فتح قنصليات في مدينتي العيون والداخلة، اعترافًا صريحًا بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية.
إنجازات استراتيجية وتحوّل اقتصادي
في عهد محمد السادس، شهد المغرب نهضة شاملة على مستوى البنيات التحتية والاستثمار في المشاريع الكبرى:
ميناء طنجة المتوسط: من بين أكبر الموانئ في إفريقيا والعالم، أصبح منصة لوجستية عالمية تربط بين القارات.
محطات الطاقة الشمسية نور: مشاريع رائدة في مجال الطاقات المتجددة تضع المغرب في مصاف الدول الرائدة في هذا المجال.
صناعة السيارات والطائرات: استقطب المغرب كبريات الشركات العالمية، ما جعله قاعدة صناعية مهمة في المنطقة.
مشروع ميناء الداخلة الأطلسي أحد أركان الواجهة الأطلسية، والطريق المزدوج أكادير - الداخلة، يعكسان اهتمام الدولة بتنمية الأقاليم الجنوبية وتعزيز اندماجها الاقتصادي والاجتماعي.
قضية الصحراء: صلابة الموقف وواقعية الحل
أصبحت قضية الصحراء المغربية المعيار الأساس في علاقات المغرب الخارجية، وهو ما عبّر عنه الملك محمد السادس في خطاباته بشكل واضح وصريح: "المغرب لا يقيم علاقات مع من يكتفي بمواقف غامضة أو مزدوجة بشأن وحدته الترابية".
وقد توّجت هذه الصرامة السياسية باعتراف دول وازنة بسيادة المغرب على صحرائه، من ضمنها الولايات المتحدة الأمريكية، بريطانيا، ألمانيا، إسبانيا، البرتغال، وعدد كبير من الدول الإفريقية والعربية والإسلامية. كما أعاد المغرب فرض سيطرته على المنطقة العازلة (ما يسميه البعض بالأراضي المحررة)، ما يعكس تحولًا نوعيًا في موازين القوى بالملف.
اللوبيات المعادية: محاولات متكررة لضرب الاستقرار
بطبيعة الحال، فإن كل هذه الإنجازات والمواقف الصلبة لا تمر دون أثمان. فقد برزت في السنوات الأخيرة محاولات متكررة من لوبيات إعلامية واقتصادية وحقوقية دولية لتشويه صورة المغرب، واستهداف مؤسساته الأمنية والملكية، خصوصًا مع تزايد ثقل المغرب في القرار الإفريقي والدولي.
حتى أن المكتسبات التي تحققت على يد المؤسسة الأمنية على المستوى الوطني والإقليمي والدولي جلبت لهذه المؤسسة حملة الاستهداف والتشهير.
استغلت هذه الجهات بعض الأحداث الاجتماعية والاحتجاجات مثل حراك الريف أو بعض الإضرابات، بل وحتى هامش الحريات الذي يميز التجربة المغربية، من أجل تضخيم الوقائع وإعطاء انطباع زائف عن الأوضاع الحقوقية والسياسية في البلاد.
كما لاحظ المتتبعون مؤخرًا تصعيدًا في استهداف الملك وولي العهد، وهو مؤشر واضح على فشل هذه الجهات في ضرب ركائز الدولة المغربية، فلجأت إلى محاولات التشكيك والبلبلة وزرع الفتنة.
فشل اللوبي الدولي في لي ذراع المملكة جعله ينتقل من استهداف رموز الدولة والمؤسسات الأمنية، فشلهم في تحقيق مصالحهم جعلهم ينتقلون إلى استهداف الملك، وهنا الفشل أيضًا جعلهم ينتقلون إلى ولي العهد، حيث محاولتهم فشلت أيضًا، كما جعلهم يقودون حملة رقمية خطيرة ضد استقرار الشعب.
ثم نقطة أخرى وهي استعمال ما يسمى بالمعارضين ضد مصالح الوطن، في إطار استراتيجية التشويش من الداخل ومحاولة خلق فجوة بين المواطن والدولة.
كما فشلوا في تشويه المغرب عن طريق البوليساريو، ليفشلوا أيضًا في خلق واقع موازٍ، حيث إن المغرب يحسم بالمواقف على الميدان، ليتفاجأ الشعب الجزائري ومعه الرأي العام في عدد واسع من الدول ويستفيق لأول مرة أن المغرب في الصحراء، وأن "الجمهورية الوهمية" موجودة فقط في صفحات المعارضين والمواقع الرسمية بالجزائر والصحف المملوكة لهذا اللوبي الواقف وراء هذه الحملة الرقمية.
المعركة المقبلة: معركة رقمية وسياسية
مع تطور أدوات الحرب الناعمة، فإن المعركة المقبلة ضد استقرار المغرب ستكون بالأساس رقمية وإعلامية. ستسعى اللوبيات المعادية إلى:
بث الإشاعات والتشكيك في المؤسسات.
استغلال قضية الصحراء وملف حقوق الإنسان.
اللعب على وتر التفاوتات الاجتماعية.
توجيه الرأي العام داخليًا من خلال حملات ممنهجة على وسائل التواصل.
لكن بالمقابل، فإن المغرب اليوم يمتلك من القوة المؤسساتية، واليقظة الشعبية، والشرعية السياسية، ما يجعله قادرًا على صد هذه الهجمات. فوعي الشعب وإيمانه بثوابته الوطنية، يبقى السد المنيع أمام كل استهداف خارجي.
المغرب بثقة نحو المستقبل
لقد نجح المغرب، بقيادة الملك محمد السادس، في ترسيخ نموذج سياسي وتنموي خاص، يعتمد على التوازن بين الاستقرار والانفتاح، وبين الصرامة والواقعية. ورغم كل التحديات الداخلية والخارجية، فإن البلاد تمضي بثبات نحو المستقبل، مستندة إلى مشروع تنموي جديد، وقضية وطنية عادلة، ومؤسسات قوية.
إن المرحلة المقبلة، وإن كانت مليئة بالتحديات، إلا أنها أيضًا فرصة لتعزيز اللحمة الوطنية، وترسيخ المكتسبات، والاستمرار في البناء بثقة وإرادة.