الصادق بنعلال: مصطفى أقبيب رمز اليسار العقلاني!

الصادق بنعلال: مصطفى أقبيب رمز اليسار العقلاني! الصادق بنعلال
"ها هي رموز هذا الوطن تتساقط تباعا كأوراق الخريف، منتقلة إلى دار البقاء دون أدنى التفاتة من مكونات الدولة والكثير من مكونات المجتمع، إلا الأوفياء منهم، وقليل ما هم".
 
1- لم أجد أفضل تقديم أستهل به مقالي حول وفاة "عقل" مدينة طنجة الأستاذ مصطفى أقبيب، أفضل من هذه الكلمات الذهبية التي خصصها الراحل نفسه، لتأبين فقيد المغرب "رشيد السكيرج" الذي غيبه الموت سنة 2016 وفي نفسه كل الأحلام والآمال والتطلعات، نحو بناء مجتمع الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية. لم يقصر مصطفى أقبيب على تلقين الناشئة مبادئ الفلسفة والفكر النقدي، بين جدران الفصول الدراسية، بل إنه ربط جدليا بين إنجاز هذه المهمة النبيلة والشريفة وبين العمل الميداني الملموس، إذ قدم مساهمات جليلة في المجال الحقوقي والسياسي والمدني، وطالما أثار انتباه تلاميذه، وصاحب هذه الأسطر واحد منهم، إلى جملة من الضوابط والمنطلقات التي تؤطر الفعل الثقافي بحصر المعنى، أبرز هذه الضوابط أن الوظيفة المثلى للتحصيل المعرفي تكمن في خدمة قضايا الإنسان، وتعزيز قيم التحرر والإبداع الهيكلي.
 
2- ومن الطريف الإشارة إلى أننا نحن – تلاميذه - كنا نتسابق للالتحاق بقاعة الفصل، لنستمتع ونتفاعل مع دروسه الاستثنائية في مادة الفلسفة، بثانوية مولاي رشيد بمدينة طنجة في سنة 1982إن لم تخني الذاكرة، بقدر كبير من التمعن والنقاش والانتقاد البناء، وكأننا في حلقة علمية بالمعنى الاحترافي لهذا اللفظ، دون أن يشعرنا للحظة واحدة بانتمائه السياسي والأيديولوجي، انطلاقا من يقينه وقناعته بأن الدرس التربوي، بغض النظر عن نوعيته ومرجعيته، مادة علمية تستدعي البناء الجماعي بين المرسِل والمرسَل إليه بمنسوب معتبر من الالتزام بالموضوعية والتحليل العلمي والوعي النقدي.
 
3- لقد وجد الراحل نفسه منذ نهاية الستينيات ومستهل السبعينيات من القرن العشرين، منخرطا في العمل السياسي والنقابي والجمعوي بفعل خصوصية المرحلة الوطنية، وهكذا انخرط في حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ثم حزب الطليعة الديمقراطي، كما أنه كان من المساهمين في إنشاء الكونفدرالية الديمقراطية للشغل والجمعية المغربية لحقوق الإنسان، فضلا عن انتمائه إلى عدد كبير من الجمعيات المدنية المدافعة عن الحرية والعدل والبيئة والفضاءات الخضراء، ومناهضة لوبي العقار و الاستغلال الممنهج لخيرات الوطن. لم يكن ينخرط في هيئة حزبية أو نقابية إلا إذا وجد فيها ما يطابق قناعاته ومبادئه اليسارية المنفتحة على مستلزمات منظومة حقوق المواطن العالمي والمغربي على وجه التحديد، دون تعارض مع الواقع المجتمعي ومرجعيته الثقافية والدينية. إن المبادئ اليسارية المنفتحة لا يمكن أن تتناقض مع القيم الإسلامية الرفيعة. وفي نفس السياق عبر في غير ما مرة عن أن الهيئات النقابية والمدنية يجب أن تظل بمنأى عن أي وصاية أو إملاءات سياسية – حزبية مهما "علا" شأنها.
 
4- وفي منحى آخر كان لدى فقيد اليسار العقلاني اهتمام بإصلاح التعليم، الذي ظلت يؤرقه سنين عددا، إلى درجة أنه وصل إلى خلاصة مفادها أن غياب الرغبة السياسية في وضع حد للتهافت التربوي والسقوط المدرسي وراء مآسي و أعطاب المجتمع المغربي، على اعتبار أن الحكومات المتتالية منذ الاستقلال في غالبيتها، لم تكن تتخذ من إصلاح التعليم هدفا مقصودا أو غاية تستحق البلورة والتجسيد على أرض الواقع، بفعل تضارب المصالح بين الأطراف "المعنية" بهذا الملف بالغ القيمة داخل الوطن وخارجه، مما جعلنا نقتصر على "إصلاحات" شكلية تعمل على إدامة هذا الإشكال التربوي، بدل السعي الجماعي نحو تغييره جذريا من أجل مدرسة مغربية مواطنة لغد أفضل.