بلغتُ اليوم الستين.
يا لها من جملة!
ثقيلة بما يكفي لتُعيد ترتيب الذاكرة...
خمسون سنة من الركض، ثم عشر سنوات من التأمّل في كل ذلك الركض.
أدرتُ رأسي للخلف، فرأيتُ طفولتي هناك، ترفع يدها من بين الغبار والحرمان، تقول لي: "أرأيتَ؟ لقد وصلنا."
لكنها لم تكن رحلة سهلة. كانت رحلة على الحافة، أحيانًا أمشي، وأحيانًا أزحف، وأحيانًا أخرى لا شيء يُحركني سوى الخوف... أو الحب.
كبرتُ وأنا أتعلم كيف أكون قويًّا دون أن أُخفي ضعفي.
تعلمتُ كيف أُضحك الناس وأنا أبكي من الداخل.
تعلمتُ أن الشهرة لا تملأ الفراغ، وأن الأضواء لا تُدفئ القلب في الليالي الباردة.
وعرفتُ المرض...
ذاك الزائر الذي لا يدق الباب، بل يدخل ليسحب من جسدك ما شاء، ويترك لك روحًا أكثر صفاء.
أدركتُ معه أن الحياة لا تُعطينا دائمًا ما نُريده، لكنها – بغرابة عميقة – تُعطينا ما نحتاجه.
نعم... لم تُعطني الحياة ما أردت، لكنها منحتني ما كنت أحتاجه لأفهم، لأحب، لأقترب.
الآن، وأنا في الستين، لا أريد أن أُثبت شيئًا لأحد.
لا أبحث عن تصفيق، ولا عن إعجاب.
أبحث عن الحقيقة.
عن إنسان يُحادثني بصدق.
عن وقتٍ أمضيه مع اولادي وزوجتي دون أن ننظر في الساعة.أو في الهاتف.
عن صلاة هادئة، وكوب شاي، وسكون يشبه السلام.
أنا الآن ألعب الأشواط الإضافية من حياتي، لكنني ألعبها بقلب طفل، وبحكمة شيخ.
لم أعد أخاف من النهاية... بل أخاف من أن لا أعيش ما تبقى كما يليق.
أخاف أن أؤجّل الحب، أو أن أُقلّل من أهمية حضن، أو نظرة، أو همسة.
لكل من رافقني في هذه الرحلة:
لكم امتنان لا يُقال، بل يُشعر.
شكراً لأنكم كنتم الدرب حين تهت، والدفء حين ارتجفت، والفرح حين بكيت.
ستون عامًا... والدرس الأهم هو أن الحياة ليست انتصارًا دائمًا، بل استمرار كريم.
شكراً للحب والتقدير..
شكراً للوجوه التي عرفتها، والقلوب التي لمستني.
وشكراً للحياة، لأنها – وإن قسَت – لم تخُن.