لقد كان أمرا مثيرا للانتباه أن يكون قميص الرئيس عبد المجيد تبون في صلاة عيد الفطر هذه السنة، مغايرا للذي صلى به في عيدي الفطر والأضحى في السنة الماضية. ويظهر أن هذا التغيير مبعثه التفاعل الإيجابي مع ما كتبته "أنفاس بريس" في 17يونيه 2024 تحت عنوان: "بسبب أزمة هوية.. الرئيس الجزائري يسطو على السلهام المغربي والدشداشة الخليجية.
ولا يسعنا هذا الإنصات ، إلا أن نثمنه وهو ينضبط للمشترك المغاربي في اللباس. وهذا المشترك إلى جانب وحدة المكون البشري، من زناتة وكتامة وأوربة وصنهاجة ، ومن عرب المعقل، ومن يهود وأندلسيين ، يجعل من سياسة الجزائر العدائية تجاه المغرب، هي موجهة بالأساس ، ضد ذاكرة شعبها في المقام الأول. فضلا عن وشائج المعتقد والمذهب وسند المشرب الصوفي، من قادرية وشاذلية وتيجانية، وروابط النسب الحسني من إدريسيين وسليمانيين، ووحدة النضال من أجل الاستقلال، مما يبين حجم الإدانة الذي تتولاه سياستها لنسيجها الاجتماعي والروحي، حيث يظهر هذا العداء المستعر تجاه المغرب من بوابة القراءة الأنتروبولوجية، على أننا ، رغم ذلك شعب شقيق .ولا ننسى في نفس الآن، أمام تواتر الحديث الجزائري عن "المخزن المغربي" وكأنه سبة، أن "المخزن"الموحدي قد وحد البلدان المغاربية كلها،حيث هناك أيضا "المخزن الجزائري" و"المخزن التونسي"، مما يستوجب التعامل بعقلانية مع تاريخنا المشترك بدون أحقاد،للتجاوز الواعي لمعيقات تطورنا الديموقراطي كمغاربيين.
جميل أن نرى انتظام الرئيس تبون في اللباس المغاربي، حتى يقطع مع تيه الغربة الوجودية التي أبان عنها سابقا. وسيكون من الأجمل أن يتم تجويد لباسه في المرة المقبلة، بأصالة "البدعية" أو "الجابدور" مع الجلابة والعمامة كذلك، لأنه من غير المستساغ أن يصلي رئيس الدولة حاسر الرأس وفق أصالتنا المشتركة.
إن تفاعل الرئيس تبون مع ملاحظة "أنفاس بريس"، قد يكون مدخلا لكي تلعب النخبة في الدول المغاربية دورها في التقريب والتسديد. ويبقى الأمل أن ترفع الجزائر انفعالات المنع عن أكاديمييها وزواياها ومبدعيها.. ولنا في التاريخ، مما يفيد فعالية هذا الجانب، من خلال سفارات النخبة، لما كانت تشوب مثلا،علاقة بني عبد الواد في تلمسان، والمرينيين في فاس ،والحفصيين في تونس، عوائق صراعات النفوذ. وستبقى في سياق تكامل الانشغال الأكاديمي مثلا، كالاهتمام هناك بالإمام المهدي بن تومرت، والاهتمام هنا بالإمام السنوسي، ستبقى عندنا مخطوطات الخزانة الحسنية، والمكتبة الوطنية، والقرويين، وابن يوسف والزاوية الناصرية..في خدمة هذا التكامل الخلاق.
وبالجملة ، فقد تكون دبلوماسية اللباس في تفاعل تبون مع "أنفاس بريس" في ولايته الثانية، مناسبة لإعادة الانسجام إلى ذاكرة الجزائر الرسمية، ومن ثم الإطلالة على أفق التدبير الراشد هناك مع آصرة الانتماءالمشترك، وحتى مع كراسي الأعذار الشرعية في الصلاة أيضا. إذ لا يمكن- وهذه ملاحظة أخرى تنتظر تفاعلا آخر- أن نتصور عسكريا ممارسا كشنقريحة يصلي دائما على كرسي الأعذار الشرعية، كرئيسي الدولة ومجلس الأمة!