بورقية: التلفزيون في رمضان يخضع لقانون السوق

بورقية: التلفزيون في رمضان يخضع لقانون السوق عبد الرحيم بورقية
في ظل الانتقادات المتكررة للاعمال الدرامية الرمضانية التي تبثها القنوات المغربية، يطرح السؤال حول الأثر الاجتماعي لهذه الأعمال ومدى تأثيرها على الذوق العام وتمثلات المجتمع. في هذا السياق، نناقش مع الأستاذ والباحث في السوسيولوجيا عبد الرحيم بورقية أبعاد هذه الظاهرة، باستحضار آراء السوسيولوجي الفرنسي "بيير بورديو"، الذي اعتبر أن التلفزيون يشتغل وفق منطق السوق، حيث تتحكم فيه المصالح الاقتصادية والسياسية أكثر من الاعتبارات الثقافية والإبداعية.

** في كتابه عن التلفزيون، الذي صدر سنة 1996 يشير "بيير بورديو" إلى أن المحتوى الإعلامي يخضع لقوانين السوق، حيث يتم إنتاج ما يضمن أعلى نسب المشاهدة بغض النظر عن الجودة الفكرية أو الفنية. هل تعتقدون أن دراما رمضان في المغرب باتت ضحية لهذا المنطق، وهل يمكن القول أن قنوات القطاع العمومي تُنتج أعمالا وفقا لمعايير الاستهلاك السريع، بدل أن تكون انعكاسا لتطور المجتمع المغربي ؟

×× بداية لابد أن نلفت الانتباه بكون التلفزيون لا زال يحتل حصة الأسد في المشهد الاعلامي، رغم منافسة مواقع التواصل الاجتماعي التي تعرض أيضا المواد الإعلامية، و وظائفه الأساسية هي الإخبار والإعلام، والتعليم والتثقيف، وأخيرا التسلية والترفيه، لابد من مدخل قبل الإجابة عن السؤال، و هنا أود الاشارة أن الدور التثقيفي والتعليمي مغيب بشكل كبير مما يفسح المجال للتسلية والترفيه، وهذا توجه وفق سياسات واختيارات لصناع القرار والإعلاميين بدرجة أولى، حسب تكوينهم وهدفهم في الحياة .. وطريقة إجابتهم عن مثل هذا السؤال : هل يعملون وفق ضوابط أخلاقية واحترافية أم عملهم هو مجرد مورد لجني الربح بعيدا عن المسؤولية الملقاة على عاتقهم تجاه كل فئات المجتمع وخصوصا الجمهور الناشيء !؟.

فمن المعلوم أن سعي القنوات العمومية وراء رفع نسب المشاهدة وإرضاء المحتضنين والمستشهرين يؤدي بها الى العمل فقط على ملئ الوقت، بمواد استهلاكية سريعة لا تحترم عقول المشاهدين لتقديم منتوجات وفق قوانين السوق، فالتلفزيون في رمضان يخضع لقانون السوق.
هذه القوانين تهيمن على البرامج والمواد التلفزيونية، والدراما الرمضانية المغربية هي تكريس لهذه المعطى، لأن القنوات تسعى لإقناع المشاهد وشد انتباهه بشتى الطرق في ظل المنافسة مع قنوات عربية أخرى. ورغم تغيير طفيف في تناول مواضيع جديدة لمواكبة تحولات المجتمع المغربي، إلا أن النمطية و تكرار نفس الوجوه وغياب الأداء الجيد، كلها أسباب تكتم أنفاس محاولة التغيير، لأن عدم استقلالية من يحترفون صناعة الانتاجات التلفزيونية تغذي التبعية، التي تخلق النمطيّة وتقبر محاولات الاختلاف والتلفزيون في رمضان يعانق النمطية ويرفض التغيير.

** في نظرك لماذا تقوم الدراما الرمضانية في إعادة إنتاج أنماط اجتماعية معينة عبر تكرار نفس المواضيع والصراعات السطحية ؟

×× البيئة الاجتماعية تخلق فنها ومنتجاتها التلفزيونية وتخلق معها أفكارا معينة، تتوجه الى فئة اجتماعية تؤمن بها وتحتضنها، لأن صانع المحتوى غرضه هو تحقيق نسب المشاهدة، لهذا فهو يعيد نفس الصور ونفس القصص ويسقط في التكرار والنمطية، مع ضعف المضمون وسطحيته وركاكة الحوار وكثرة الصراخ والعويل لملئ الفراغات، ومن يقدمون هذه الاعمال شعارهم الخالد "هذا ما يطلبه الجمهور"، لذلك نرى الوجوه نفسها تطل من شاشة التلفزيون في كل موسم تزامنا مع شهر رمضان.

** هل تعكس هذه الأعمال التلفزيونية في نظرك تحولات المجتمع المغربي أم أنها تعيد إنتاج صورة جامدة عنه ؟

×× الأعمال التلفزيونية الرمضانية، لا تعكس دائما تحولات المجتمع المغربي، بكل بساطة لأن الهدف الذي تشتغل وفقه الإدارة لا يندرج في ذلك الإطار، وحين سيفكر القائمون على القنوات في هذا الهدف ويقررون تنفيذه، سوف يدافعون عنه ويكرسون الجهود لتحقيقه.

التلفزيون في رمضان يعيد إنتاج نفس الأسماء ونفس المواضيع، ولا يشغل بال المسؤولين هذا المعطى أي التطوير ومعالجة مواضيع جادة تهم الحياة اليومية للمشاهدين، ويظهر ذلك من خلال غياب أي تجديد على مستوى المواضيع.

** هل يمكن القول بأن الدراما تُقدَّم للمشاهدين كأنها انعكاس للواقع، بينما هي في الحقيقة تُعيد تشكيل تصوراتهم بناء على اختيارات إيديولوجية واقتصادية معينة ؟

×× السؤال المطروح هو هل هناك وعي بدور الإعلام اتجاه المجتمع أم لا؟ هل صانعو المسلسلات والمواد التلفزيونية يعرفون دورهم جيدا أم لا ؟ أليس من حقّ المواطنين أن يشاهدوا أفضل الأعمال التي يجب أن تحترم عقولهم، وتتماشى مع تطلعاتهم، و تحفزهم وتدفعهم للتفاؤل والعمل؟.
لست ضد التسلية والترفيه، لكن في نظري لايجب أن تطغى هذه على المنتوجات الموجهة إلى العموم على البرمجة الرمضانية.
وبخصوص المسلسلات المدبلجة ما محلها من الإعراب؟ هل تعكس واقعنا المعاش؟ بالطبع لا، فهي لا تعطي إضافة أو تقدم شيئا مفيدا للمشاهدين، فمثلا "المسلسلات التركية" تعكس النجاح التركي في عمليات الترويج لسلع تركيا والسياحة بهذا البلد، وهي لا تحقق للمشاهدين أي هدف آخر غير إشباع النقص العاطفي لأنها مليئة بالحب والرومانسية، وكلنا نعلم جيدا غياب وصعوبة التعبير عن الأحاسيس في مجتمعنا.
ورجوعا للعنف الرمزي في الثأتير على المشاهد فهنا يبرز دور الرقابة وفرض قيود على مستوى العمل الفني والذي قد يكون، مبتذلا وخطرا لأنه يصل إلى جميع الأعمار مما يفرض التحلي بالمسؤولية الأدبيه وأيضا الواجب الوطني لحماية الصغار واليافعين من تفشي ذوق عام رديء، ذلك أن جذب الجمهور إلى موضوعات ثانوية أو جديدة لا توافق همومه وتطلعاته، مع التركيز على التناقضات الإجتماعية التي يعيشها المواطن، قد ينتج عنه إقناعه بضرورة تغيير أفكاره وتبني أخرى مع قيم جديدة مع عرض نماذج مثالية ومؤثرة تسوق لتوجهات وقيم مناقضة لقيم الجمهور المغربي.

** ماهي رسالتك للمسؤولين عن الإعلام العمومي !؟

×× لا يجب أن يسهم الإعلام العمومي في جعل المشاهد، أداة طيعة تستقبل وتستهلك أي شئ، دون طرح أسئلة وودون تفكير سليم، حيث أضحى المجتمع وخصوصا اليافعين بين مخالب إعلام غير مهني، وأتكلم هنا بصفة أكبر عن المنصات الاكترونية التي تبث نماذج ومسارات لا تساهم في بناء مواطن الغد الواثق من نفسه، المؤمن بالعمل والجد للوصول الى مبتغاه.
وهذا العنف الرمزي يرسخ لافكار ويكررها ويتم إنتاجها لعرضها كأفكار موازية لأخرى سائدة داخل المجتمع، مع افتراض هيمنتها التدريجية مستقبلا،
رسالتي للمسؤولين عن الإعلام العمومي هي الاستقلالية في القرارات والتنوع في المحتويات، فمن الضروري أن يعكس الإعلام تنوع المجتمع المغربي ويدعم الإنتاج الوطني الجيد، إذ ينبغي الاستثمار أكثر في الإنتاجات الوطنية الجادة، سواء في الدراما أو الوثائقيات أو البرامج الحوارية، مع تشجيع المواهب المغربية وضمان جودة المحتوى، بدلا من تقديم أعمال سطحية لا تحترم ذكاء المشاهد.
الإعلام العمومي ليس مجرد منبر رسمي، بل هو مرآة للمجتمع ومسؤولية وطنية، تتطلب رؤية واضحة وإرادة صادقة للإصلاح والتطوير.