محمد عزيز الوكيلي: الجزائر تعلن الحرب على وسائل التواصل الاجتماعي!!!

محمد عزيز الوكيلي: الجزائر تعلن الحرب على وسائل التواصل الاجتماعي!!! محمد عزيز الوكيلي
في الواقع، وكما أكدتُ على ذلك أكثر من مرة، لا يمكن أن يجد المرء غير الجزائر مصدرا للعجائب والغرائب، في جميع المجالات بلا استثناء، مع ميزة خاصة لمجالي السياسة والدبلوماسيا، اللذين جعلا من الجزائر قبلة للباحثين عن المتعة، لكنها ليست متعة الحياة الرغيدة، ولا متعة الأكل والشرب والسياحة والمغامرة، بل متعة الضحك الهستيري، والتندّر المشوب بالدهشة وبالسخرية اللاذعة، لأن ما تقدمه الجزائر في هذا المضمار يحطم كل الأرقام القياسية ويتجاوز كل المقاييس!!
 
قبل أيام معدودة، طلع وزير الاتصال الجزائري على قنوات الصرف الصحي، التي يصفونها في الجزائر بالإعلامية (يا حسرة على الإعلام!!)، ليَصرُخ ويُرغي ويُزبد مُحَذّراً مستمعيه، الجزائريين بطبيعة الحال، من خطورة وسائل التواصل الاجتماعي، التي وصفها بأقذع الأوصاف!! 
 
من بين ما قاله ذاك الوزير لمخاطَبيه، أنّ عليهم أن لا يثقوا في تلك الوسائل لأنها موبوءة، ولأن الأخبار التي تأتي منها مشبوهة، وكذلك كل المصادر التي تستمد منها نفس القنوات ما تبثه من الأنباء والتعاليق والتحليلات والربورتاجات لأنها جميعها مُريبة، ولأنها، وهذا هو الأهم، تعمل برمتها على الإساءة للجزائر، وكما قال بعظمة لسانه: تتواطأ "كلها من أجل ضرب البلاد"... لكن، ضرب البلاد بماذا؟ ولماذا؟ وكيف؟.. ذاك ما لا يعلم حقيقته سوى وزير الاتصال الجزائري، الذي يبدو أنه احتفظ لنفسه بأسرار تلك الجذبة!!
 
غير أن أروع ما قاله وزير الاتصال الجزائري أنهم، يقصد هو والحكومة ونزلاء مارستان الموراديا، "يخططون لاحتلال كل وسائل التواصل الاجتماعي"، هكذا قال، وأنهم إن شاء الله سيتمكّنون من دحر جيوش الظلام المتربصة بالبلاد، يقصد الجزائر!!
 
تصوّروا الآن، كيف أن وزيراً، وعضواً في حكومة دولة، يمارس ومعه الحكومة التي يمثلها، وبمعيتهما معاً الدولةُ التي يستمدان منها وُجودهما القانوني، حرباً ضروساً من جانب واحد، ليس ضد حكومة أخرى أو دولة مغايرة، وإنما ضد وسائل التواصل الاجتماعي، التي يعلم الخاص والعام أنها تعود إلى أشخاص ذاتيين يتمتعون بكامل الحرية في التعبير وإبداء الرأي، وأنهم لا يخضعون بالضرورة أو بالوجوب لأي توجيه مسبق، أو  تخطيط ممنهج، رغم أن بعضهم، وهو بعض قليل جدّا بكل تأكيد، قد يكون لديه اتصال بجهة من الجهات وقد يعمل على خدمة أجنداتها إن كانت لديها فعلا أجندات!!
 
الدولُ والحكوماتُ تقتضي القوانينُ والأعرافُ، الجاري بها العمل دوليا، أن لا تتواجه أو تتنازع إلا مع دول وحكومات مثلها، بغضّ النظر عن التفاوت المفترض بداهةً أن يقوم فيما بينها في الوزن، والقوة، وفي النفوذ داخل المنتظم الدولي، لأن أي حرب مهما كان نوعها وقوتها واستعداد جميع أطرافها لخوضها بنفس الاندفاع والحمية، وبذات الدرجة من الاستعداد النفسي والسياسي والمالي  والعسكري، لابد أن تتدخل فيها لصالح هذا الطرف أو ذاك الآخر  دولٌ وحكومات أخرى تربطها بطرف واحد على الأقل، من الأطراف المتناحرة، صداقة أو مصلحة تعلل مساندتها له، ووقوفها إلى جانبه، والاصطفاف في خندقه ومعسكره... فما الذي يتحقق من كل هذا لدولة تمارس هواية "دي لا مانشا" في مناطحته لطواحين الرياح؟!
 
بالمناسبة فهذا الوصف لا يروم التقليل من قيمة وسائل التواصل الاجتماعي، وقنواتها التي منها الغثّ ومنها السمين، ولكنها مجرد محاولة لوضع الأمر في نصابه إزاء دولة لم تجد ما تغطي به إخفاقاتها ونكساتها، ولم تجد ما "تبردع" به مواطنيها المسطولين غير إعلان الحرب على قنوات التواصل الاجتماعي، وهي إيماءة مستترة ولكن حقيقتها لا تخفى على أحد، إلى المؤثرين واليوتوبر المغاربة، الذين يذيقون الدولة الجزائرية حكومةً ووزراءَ ونظاماً، وذباباً إلكترونياً، وبوتيرة يومية، بل وعلى مدار الساعات والدقائق، أشد الإهانات إيلاماً، وأفظع ألوان العذاب النفسي سراسةً، ليس استعداءً وعدواناً، وإنما على سبيل الدفاع المدني، الجماعي والفردي، عن حوزة الوطن وثوابته وقضاياه المشروعة والعادلة، وبصورة أكثر خصوصية، دفاعاً عن قضيتنا الوطنية الأولى، التي قدّر الله أن تُطير النوم من عيون الجزائريين... كل الجزائريين إلى إشعار آخر!!
 
تُرَى، ما الذي يمكن أن يصدر عن مثل هذا النوع من الأنظمة والحكومات أكثر من هذه المهازل التي يُطِلّون بها علينا بين كل يوم وآخر؟... عَجَبي!!!   
محمد عزيز الوكيلي،  إطار تربوي.