نوفل البعمري: التفاؤل الإفريقي

نوفل البعمري: التفاؤل الإفريقي نوفل البعمري
احتضن المغرب اللقاء الثاني لرؤساء لجان الشؤون الخارجية بالبرلمانات الإفريقية، وهو اللقاء الدبلوماسي الهام الذي يعكس انخراط المؤسسة البرلمانية لبلادنا في مسار الدبلوماسية البرلمانية الذي حدده الخطاب الملكي عند افتتاح الدورة التشريعية بحيث أكد على ضرورة عمل المؤسسة التشريعية في وضع استراتيجية برلمانية في إطار مهامها الدستورية الجديدة التي حددها دستور فاتح يوليوز لسنة 2011.
لذلك هذا اللقاء يأتي في إطار هذه الدينامية الإستراتيجية التي وضع ملامحها الكبرى الخطاب الملكي، كما أنها تأتي في ثلاث سياقات مهمة:
 
الأول مرتبط بعودة المغرب للإتحاد الإفريقي واسترجاع مقعده في هذا التكتل القاري الذي أصبح منذ الخطاب الذي ألقاه الملك في مقر الإتحاد يلعب أدواره الحقيقية بفضل الدور الذي لعبه المغرب من خلال تحرير الاتحاد الإفريقي و مؤسساته من المحور الذي حوَّل أجهزة الإتحاد الإفريقي لأداة سياسوية لتصفية حساباتهم مع الدول و زرع الفتنة و الإنقسام و التدخل في إرادة الشعوب داخل القارة، وهو ما لم يعد ممكناً بعد استرجاع المغرب لمقعده ومكانته المحورية داخل القارة و الإتحاد بمختلف أجهزته التقريرية.
 
الثاني مرتبط بالدينامية الدبلوماسية المرتبطة بملف الصحراء التي استطاع فيها المغرب إقناع غالبية الدول الإفريقية بموقفه من ملف الصحراء مما دفع هذه الدول إلى تغيير موقفها و اتجهت نحو سحب اعترافاتها من الكيان الوهمي بالمقابل إعلانها عن دعمها لمغربية الصحراء و مبادرة الحكم الذاتي وتبني الموقف المغربي المنسجم مع القرارات الأممية التي شدَّدت على حصرية النَّظر في ملف الصحراء داخل مجلس الأمن، لتنتهي بافتتاحها لقنصليات لها داخل الصحراء بمدينتي العيون و الداخلة، عليه فهذه الدينامية الدبلوماسية المرتبطة بملف الصحراء ساهمت في التحركات التي يقوم بها المغرب منها تنظيم هذا اللقاء الذي ينظم رؤساء لجان الشؤون الخارجية بالبرلمانات الأفريقية.
 
الثالث يتعلق بالدبلوماسية الاقتصادية، ما يتعلق بالمشاريع التي دشنها الملك في إفريقيا و هي مشاريع استراتيجية كبرى تهدف إلى ربط الدول الأفريقية بمشاريع تنموية تساهم في دعم وتعزيز المسار التنموي لدى هذه الدول، و قد كان لتحرك المغرب جنوب القارة وغربها وشرقها الأثر الكبير في هذا المسار وفي سياق المشاريع التي تم الإعلان عنها منها مشروع أنبوب الغاز نيجريا المغرب، المبادرة الأطلسية إلى جانب المشاريع الثنائية التي وقعها المغرب مع بعض الدول داخل القارة، مما يجعل من السياق الإقتصادي عنصر حاسم في دعم التحركات الدبلوماسية التي يقوم بها المغرب بقيادة الملك و يساهم في إنجاح هذه المبادرات.
 
إن هذه السياقات الثلاث تضع اللقاء الحالي ضمن تصور استراتيجي وضعه المغرب وترجمه منذ استرجاع المغرب لمقعد بالإتحاد الإفريقي، وهو تصور تمت ترجمته في الرسائل والكلمات التي أُلقيت داخل الاجتماعات التي انعقدت بالمناسبة و هي كلها تتجه نحو التأكيد ونحو تبني التصور المغربي المتمثل في:
المغرب ينطلق في تحركه داخل القارة ومن هذه اللقاءات ذات البعد الدبلوماسي في وضع إشكالات والمصاعب التي توجد داخل أفريقيا المرتبطة بالتنمية والديموقراطية وقضايا حقوق الإنسان و فض النزاعات بالطرق السلمية…، ضمن قالبها الحقيقي بحيث يحوِلُها من عقدة إلى فرصة لخلق ديناميات متعددة تساهم في إحلال السلام و خلق فرص للتنمية الحقيقية، فالمنطق المغربي واضح وهو منطق يريد تحويل كل هذه التعقيدات إلى مفتاح لحل المشاكل العالقة التي ساهمت فيها الدول التي كانت مسيطرة على الاتحاد الأفريقي لعقود من الزمن، وهي الفرص التي ستمكن القارة من النهوض ومواجهة مختلف التحديات الكبرى التي يواجهها العالم.
 
المغرب ينطلق من ثقته في قدرة إفريقيا على النهوض بفضل ما يكتمن داخلها من طاقات شابة وهي التي تفتقدها أوروبا و باقي القارات و هي الطاقات التي يمكن أن تساهم في البناء والنهوض بهذه القارة في حال وُجدت الفرص الحقيقية المرتبطة بمشاريع تنموية كبرى ذات بعد استراتيجي، وبمخططات ذات أهداف متوسطة وبعيدة المدى غير ظرفية ولا مرتبطة بالأزمات الحالية، هذه الثقة التي يبديها المغرب اتجاه القارة وشعوبها هي التي ظلت مفتقدة لعقود من الزمن في تدبير الملفات الإفريقية التي كان البعض يسيطر عليها و يزرع عدم الثقة والتشاؤم في إمكانية إفريقيا إعادة بعث نفسها من جديد، وبدل حل المشاكل تم بفضل حالة الإستغلال للقارة التي تمت لسنوات تكريس وضعية النزاعات والحروب، لذلك فالمغرب منذ استرحات مقعده بالإتحاد الإفريقي ظل يدفع في اتجاه تبني حلول مستدامة للمشاكل التي تخبطت فيها إفريقيا، على عكس من كان يختار الحلول السهلة الترقيعية التي لم تحقق لا السلم ولا الأمن ولا التنمية للقارة.
 
المغرب ينطلق من مقاربة إندماجية واسعة، ما تمت تسميته "الإندماج الإفريقي" وهو الإندماج الذي يؤمن بضرورة العمل و قيمته التي تحقق الإنتاج والتقدم والإزدهار، وهي مقاربة تنطلق من رؤية يؤطرها التزام أخلاقي إتجاه القارة قبل أن يكون دبلوماسياً، هذا الإلتزام سبق أن أعلن عنه و أكده غير ما مرة عاهل البلاد في مختلف خطبه جسدتها التحركات المغربية أمنياً، اقتصادياً، دبلوماسياً و سياسياً، لذلك فالمقاربة المغربية لا تؤمن بترديد الشعارات الجوفاء المبنية على مقاربات إديولوجية متجاورة و بشعارات سياسوية في تدبير النزاعات أقبرتها الأمم المتحدة وتطور المفاهيم المرتبطة بالقانون الدولي سواء الإنساني أو لحقوق الإنسان، وهي الشعارات التي أوصلت عدة دول إلى الإنهيار والتآكل و هو ما لا يريده المغرب للدول الإفريقية التي يعزز فيها المغرب مقاربة مندمجة تهدف إلى تحقيق الإستقرار، التنمية والديموقراطية والبناء المؤسساتي.
 
المغرب إذن في تحركاته آخرها هذا اللقاء هو يتحرك من منطلق تفاؤلي، تفاؤل بمستقبل آخر للقارة الإفريقية و أن هذا التفاؤل ينطلق من إيمان المغرب بالإمكانيات التي توحد بإفريقيا التي بدأ استغلالها في التنمية والبناء ظلت بعض الدول تستغلها في مقاربات أدت إلى التشرذم، الحروب والفقر