منذ فترة ولا حديث في مجالس الشاي بالعاصمة، وغيرها إلا ما تقوم به مصالح الإدارة الترابية في عدد من المدن، الكبرى خاصة، من عمليات لتحرير الملك العمومي من جهة وكذلك بهدم ما تم بناءه خارج القانون، فوق ملكيات خاصة.ومنذ عدة سنوات،بعيدا عن المخططات العمرانية المعتمدة للمدن .
ولعل ما جعل هذا الموضوع يتربع على موائد الشاي، وقبله على المواقع الاجتماعية في اعتقادي، يعود أساسا لكون الأمر هذه المرة لا يتعلق بالباعة المتجولين الذين يعرضون سلعهم بالشارع العام ويعرقلون حركة الراجلين والراكبين بالمدن .ولا بأصحاب المقاهي والمطاعم وهم يطعمون الزبناء، أكلا وشربا تحت شمسيات منصوبة في كل مكان .ولا حتى من تلك (السيارة-المقهى )المنتشرة بضواحي التجمعات الحضرية وبين المدن.
وإنما العملية هذه المرة استهدفت فيلات فخمة، وإقامات شاسعة، بالشواطئ وغيرها لمواطنين يملكون في غالب الاحيان المال الوفير، والسلطة المغتصبة.
وهكذا تعددت الحكايات عن حالات معينة بالمكان وحتى بأسماء أصحابها بالرباط وهرهورة وسلا وتمارة والبيضاء والفحص أنجرة وغيرها .
وإذا كان البعض يختصر الطريق في تحليله وهو ينتشي بالكأس الأول ( العادي وليس الشباري )من الشاي وقبل الكوب الثاني فيكون قد ناقش وحلّل وأصدر حكمه الجاهز في دهنه، فيصيح بمنطوقه "هذه غير مسرحية وحملة لتصفية بعض الحسابات بين أصحاب النفود فيما بينهم .وانتهى الأمر . وبالتالي "ستعود حليمة لعادتها القديمة ".
كم هو معبر هذا المثل الشعبي المنتشر في كل العالم العربي والذي يجد أصله في رواية من الروايات التي وردت في كتاب «لئلا تضيع» مفادها أن "حليمة زوجة حاتم الطائي الذي اشتهر بالكرم فيما اشتهرت هي بالبخل فكانت إذا أرادت أن تضع سمنًا في الطبخ، ارتجفت الملعقة في يدها، فأراد حاتم أن يعلمها الكرم، فقال لها: إنَّ الأقدمين كانوا يقولون أنَّ المرأة كلما وضعت ملعقةً من السمن في الطبخ زاد الله بعمرها يومًا، فأخذت حليمة تزيد ملاعق السمن في الطبخ، حتى صار طعامها طيبًا وتعودت على الكرم والسخاء، ولكن لما مات ابنها الوحيد الذي كانت تحبه، جزعت حتى تمنت الموت، وأخذت لذلك تقلل من وضع السمن في الطبخ حتى ينقص من عمرها وتموت، فقال الناس: «عادت حليمة إلى عادتها القديمة".
لكنني أعتقد ان ما تقوم به المصالح الإدارية سيكون من العبث تقزيمه في ذلك الحكم القيمي والجاهز والمسبق .و إِنْ كنت طبعا أتفهمه بحكم تراكم التجارب سابقا في هذا المجال وغيره .
لكنني أعتقد أن الأمر اكثر تشعبا وتعقيدا ،لكونه أصبح مرتبط بالرفض المجتمعي القوي في حصر تطبيق القانون ،في مجمل فروعه على البسطاء فقط وكذلك في الوعي والإرادة والعزم الظاهر منه والخفي للإدارة على فرض احترام القانون بعدما أصبح هو الوسيلة الوحيدة الكفيلة لضمان الأمن والعيش المشترك، في أي مجتمع بعدما كان قد أصبح الاستهتار بالقانون سلوك اجتماعي يتباها به الخاصة في المجتمع.
لكن بنشوء وبداية تشكل رأي عام مغربي ولو جنيني، فقد أصبح هذا الاستهتار يشكل استفزازا للعامة، والثابت أن الاستفزاز هو الطريق السريع للاهانة في كل أبعادها، والتاريخ أكد في تجارب قديمة وحديثة، أن الإهانة نار ، لا يخمدها إلا الشعور بالإنصاف. إنصاف الإدارة وعدل القضاء. أو انتقام،وقصاص ، يفرضهما الشارع .
وبذالك تشرع الأبواب للفوضى . ومن هنا أهمية العمل على تملك ثقافة احترام القانون وممارستها كنظام مجتمعي. لكونها الأساس الذي تشيد عليها المواطنة، التي تعمق قيمة الإحساس بالانتماء للوطن، مادام لك في بلدك أقران تناظرهم في الحقوق والواجبات.
منذ ربع قرن تقريبا وبالضبط في أواخر التسعينيات، شاركت في برنامج تلفزي كانت تنشطة نجمة القناة الثانية الإعلامية نسيمة الحر. وكان الموضوع هو الحملة التي أطلقتها اللجنة الوطنية للوقاية من حوادث السير تحت شعار " القبضة الحديدية "وشارك في البرنامج كذلك كريم غلاب كان حينها مدير الطرق بوزارة التجهيز والأشغال العمومية والسيد لصفر الكاتب الدائم للجنة صاحبة الحملة.
ودار النقاش حول شعار الحملة " القبضة الحديدية "والمقصود منه طبعا هو أن المكلفين بإنفاذ القانون سيتصدون بحزم لكل مخالف لقانون السير .وأجملت رأيي حينها أن منظومة احترام القانون هي منظومة، متكاملة ومنسجمة، وغير قابلة للتجزيء .وبالتالي لا يمكن أن نتعامل بالقبضة الحديدية مع مخالفي قانون السير في حين نتعامل بالقبضة الحريرية مع منتهكي القوانين الأخرى الضرائب، التعمير ، الجنائي ، مدونة الأسرة ….فعقب علي من عقب .
أعتقد أن الخطوات الأولى في مسافة الألف ميل قد قطعتها بلادنا ويبقى من الضروري الزيادة في السرعة .فالعالم لم يعد يسير بنفس الوثيرة وكل إنجاز لابد من تأطيره بالنقاش العمومي فهو وحده الكفيل بتملك المجتمع لثقافة احترام القانون .