عبد المجيد طعام: التطهير العرقي في فلسطين (1)

عبد المجيد طعام: التطهير العرقي في فلسطين (1) عبد المجيد طعام
ترجمة وإعداد عبد المجيد طعام ( بتصرف (
أصبح اليوم مفهوم التطهير العرقي محددا بدقة كبيرة، يصنف في خانة الجرائم ضد الإنسانية، ويعاقب عليه بموجب القانون الدولي، طفا على السطح بشكل حصري مع أحداث يوغوسلافيا، لكن التطهير العرقي كحرمان جماعي من الحق في العيش له جذور قديمة، فقد عمد الغزاة الأجانب على ممارسته بانتظام ضد السكان الأصليين، كما مورس على نطاق واسع خلال الحرب العالمية الثانية من قبل النازيين وحلفائهم.
تعرف موسوعة هاتشينسون التطهير العرقي: هو طرد قسري يهدف إلى تحقيق تجانس إثني لمجموعة من السكان في منطقة أو إقليم معين على حساب تجمعات إثنية أخرى.
ن موسوعة هتشينسون للقرن العشرين، هي موسوعة تاريخية تغطي الأحداث والشخصيات الرئيسية في القرن العشرين ، تم إصدارها عام 1997 من قبل دار النشر "هاتشينسون" (Hutchinson) في المملكة المتحدة.أعلى النموذج
إذا يهدف التطهير العرقي إلى إخلاء مكان معين من عينة من السكان ، بالعنف أو اللاعنف ، كما حدث مع المسلمين في كرواتيا الذين تم طردهم بعد اتفاقيات دايتون في نوفمبر 1995. تتفق مع هذا التعريف وزارة الخارجية الأمريكية، ويضيف خبراؤها أن أحد اهداف التطهير العرقي هو القضاء بكل الوسائل الممكنة على تاريخ منطقة ما، وأكثر الطرق شيوعًا هي تفريغ المنطقة من السكان عن طريق النقل القسري وخلق مشكلة اللاجئين. درست وزارة الخارجية الأمريكية بشكل خاص ما حدث في مايو 1999 في بيك، مدينة في غرب كوسوفو، حيث تم إفراغها في غضون 24 ساعة، وهو أمر لا يمكن تحقيقه إلا من خلال خطة محكمة مُعدة مسبقًا يتم تنفيذها بشكل منهجي ، وقد حدثت مذابح متفرقة لتسريع العملية، ما حدث في مدينة بيك عام 1999 حدث بشكل مأساوي في مئات القرى الفلسطينية عام 1948.
ناقشت الأمم المتحدة بجدية مفهوم التطهير العرقي عام 1993، حيث يربط مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بين رغبة دولة أو نظام في فرض هيمنة عرقية على منطقة متنوعة عرقيا وثقافيا واستخدام الطرد والنقل القسري وغيرها من الوسائل العنيفة.
إن جريمة التطهير العرقي تقوم على طرد أفراد مجموعة بشرية ، وهدم منازلهم وتحويلهم إلى لاجئين ، قد تتم ممارسة هذه الجريمة باعتماد خطة مدروسة ،لكن جل الباحثين في قضايا التطهير العرقي يرون أن معظم الجنود المشاركين في هذه الجرائم لا يحتاجون إلى أوامر مباشرة، إنهم يعرفون ما ينتظر منهم ،لهذا قد تصاحب العمليات مجازر، تشكل تكتيكًا حاسمًا لتسريع هروب السكان المراد طردهم ، يحرص الممارسون لهذه الجريمة على أن يَبْقَى النازحون مجرد نكرة ، ويحولون بينهم وبين ذكرهم في التاريخ الرسمي والشعبي للبلد، حيث يتم استئصالهم من الذاكرة الجماعية.
أعلى النموذج
تعرف تعرف ويكيبيديا التطهير العرقي بأنه طردًا جماعيًا، وتعتبره جريمة ، جاء في الموسوعة :" يمكن فهم التطهير العرقي كطرد قسري لسكان غير مرغوب فيهم من إقليم معين، نتيجة لتمييز ديني أو عرقي، أو لاعتبارات سياسية أو استراتيجية أو إيديولوجية أو مزيج من هذه العوامل."
طرحت نفس الموسوعة قائمة تضم العديد من حالات التطهير العرقي في القرن العشرين، مثل طرد البلغار من تركيا عام 1913 كما ضمت القائمة سحب إسرائيل للمستوطنين اليهود من غزة عام 2005، وهذا ما يجعل هذه القائمة غريبة ، لأن قرار سحبهم من غزة باعتبارهم استقروا هناك بصفة غير قانونية لا يدخل في باب التطهير العرقي ، وإنما يدخل في إطار تطبيق قانون دولي ، بغض النظر عن هذه الحالة الغريبة ضمت ويكيبيديا في قائمتها نكبة فلسطين عام 1948، ولكن لا يمكن التنبؤ ما إذا كان محررو الموسوعة يرون في النكبة حالة واضحة من التطهير العرقي، كما هو الحال في أمثلة ألمانيا النازية أو يوغوسلافيا السابقة، أو مجرد حالة أكثر ارتباكًا، مماثلة لحالة المستوطنين اليهود الذين سحبتهم الحكومة الصهيونية من قطاع غزة.
إن المعيار المعتمد من قبل هذا المصدر وغيره هو التحقق من خضوع أي شخص متهم بممارسة التطهير العرقي قد تمت فعلا إدانته أمام محكمة دولية، أو تمت متابعته أمام هيئة قضائية دولية، يطرح هذا المعيار لاستبعاد ما يسمى الجرائم المفترضة أو المزعومة، لهذا أصبحت الحاجة ملحة، لتوسيع هذا المعيار ليشمل حالات تم تقديمها إلى المحاكم الدولية.
ولكن لم تبت فيها بعد، لأسباب كثيرة لا مجال لذكرها الآن . غالبا ما يأخذ البت في قضايا التطهير العرقي مسارًا طويلاً، وفي كثير من الأحيان تحتاج بعض الجرائم من هذا النوع إلى نضال مستميت قبل أن يعترف بها في العالم كحقائق تاريخية، المثال الواضح على هذا الوضع غير المفهوم حالة الإبادة الجماعية التي تعرض لها الشعب الأرمني عام 1915، حيث قامت الحكومة العثمانية بتنفيذ إبادة ممنهجة ضد هذا الشعب، ويُقدر عدد الذين كانوا ضحية هذه الإبادة بمليون فرد، ولكن لحد الآن لم تتم محاكمة أي شخص، سواء بشكل فردي أم كعضو في جماعة. تعتبر المعاهدات الدولية التطهير العرقي جريمة ضد الإنسانية، بما في ذلك تلك التي أسست للمحكمة الجنائية الدولية، سواء كان مفترضًا أم معترفًا به بشكل كامل، تم إنشاء "محاكم جنائية دولية" خاصة في لاهاي لمتابعة المجرمين بعد انهيار يوغوسلافيا السابقة، والمتسببين في الإبادة البشرية التي حدثت في رواندا.
إن ما حدث في فلسطين عام 1948، لا يخرج عن الجرائم التي سبق ذكرها والتي يحفظها التاريخ الحديث، لهذا يجب أن يتأصل التطهير العرقي بفلسطين في ذاكرتنا ووعينا كجريمة ضد الإنسانية، كما يجب إزالته من قائمة الجرائم "المفترضة" لأنه حقيقة ثابتة. إن مخططي التطهير العرقي الفلسطيني هم جماعة من الصهاينة، تزعمهم دافيد بن غوريون، هو سياسي صهيوني وُلد تحت اسم دافيد غرين في 16 أكتوبر 1886 في بولتافا، التي كانت جزءًا من الإمبراطورية الروسية في ذلك الوقت، تقع حاليا في أوكرانيا، كان بن غوريون قائدًا بارزًا في الحركة الصهيونية، لعب دورًا رئيسيًا في تأسيس ما يسمى دولة إسرائيل عام 1948، تسلم منصب أول رئيس في حكومتها، أعيد انتخابه مرات عديدة بين 1948 و1963 ، شغل أيضًا منصب وزير الدفاع والشؤون الخارجية. كان بن غوريون شخصية صهيونية استثنائية، حيث كان له دور كبير في توحيد الفصائل الصهيونية المختلفة وقيادة الجيش الصهيوني في حرب 1948. أعلى النموذج كان يستعمل منزله الخاص لمناقشة وتنفيذ جميع فصول مخطط التطهير العرقي بفلسطين، بمساعدة لجنة صغيرة أطلق عليها اسم "المجلس الاستشاري"، وهي هيئة تجتمع للتآمر وتنظيم الاستيلاء على أرض فلسطين. قامت هذه الجماعة بإعداد خطط التطهير العرقي ومراقبة تنفيذها، كان الهدف في تلك الفترة نزع جذور نصف السكان الفلسطينيين.
ضمت هذه الجماعة في بدايتها أهم الشخصيات التي أوكل لها أمر السهر على قيام الدولة الصهيونية وجيشها، من بين الشخصيات التي لعبت دورا مهما في هذا المشروع نذكر، يغائيل يادين وموشيه ديان، اشتغل معهما عدد من الشخصيات غير المعروفة، كانوا يستقرون خارج فلسطين، ولكنهم حظوا بحضور وازن في الوعي المحلي، مثل يغال ألون ويتسحاك صاديه، وموشيه كالمان، الذي قام بطرد سكان منطقة صفد، وهي مدينة تقع في شمال فلسطين، تحديداً في الجزء الشمالي الشرقي ، وهي جزء من المنطقة الجغرافية المعروفة بالجليل، وتعتبر واحدة من المدن التاريخية في المنطقة، وموشيه كارميل، الذي نزع جذور الجليل بشكل كبير، تقع منطقة الجليل في شمال فلسطين، وهي تشمل مدنًا مثل صفد ونهاريا وطبريا. كما قام يتسحاك ) إسحاق( رابين بعمليات تطهير عرقي في اللد والرملة وهما مدينتان تقعان في وسط فلسطين، اللد تقع إلى الشمال الشرقي من تل أبيب، أما الرملة فتقع في الجنوب الشرقي من تل أبيب ، كما قام بعمليات تطهير عرقي أخرى في منطقة القدس الكبرى . من بين القادة الآخرين، الذين مارسوا التطهير العرقي بفلسطين، نذكر شيمون أفيدان الذي قاد العمليات الإجرامية بمنطقة الجنوب الفلسطيني، قال رحبام زئيفي وهو أحد الصهاينة الذين قاتلوا بجانبه:
"القائد شيمون أفيدان، قائد لواء، قام بتنظيف الجنوب الذي كان يضم العديد من المدن والقرى الفلسطينية ." وقد ساعده في ذلك يتسحاك بونداك الذي صرح لأهاريتز عام 2004 حيث قال: "كان بالجنوب مئتا قرية، ولكنها لم تعد موجودة . كنا بحاجة لتدميرها، حتى نمحي التواجد الفلسطيني هناك، كما فعلنا بالجليل، لو لم نقم بذلك ،كنا سنواجه مليون فلسطيني إضافي."
إضافة إلى العسكريين لعب ضباط المخابرات دورًا كبيرًا في التطهير العرقي، وشاركوا في أبشع الفظائع التي رافقت الاستيلاء المنهجي على فلسطين، كانوا يتمتعون بالسلطة لاتخاذ قرار تدمير القرى، وتنفيذ الإعدام في حق القرويين، في مذكرات بعض الناجين الفلسطينيين من الإبادة الجماعية، نقرأ ما يلي:" بعد احتلال قرية أوحي ، كان ضباط المخابرات هم الذين، يقررون مصير السكان ، بين السجن أوالحرية أو الموت" كان عيسار هاريل يشرف على جرائم الصهاينة عام 1948 ، وهو الذي سيعين فيما بعد أول قائد للموساد والشاباك. نشير إلى أن الموساد هو وكالة الاستخبارات الخارجية الإسرائيلية، تأسست عام 1949، وهي جزء من جهاز الاستخبارات الإسرائيلي. اسم "الموساد" يشير إلى الخدمة الاستخباراتية الخارجية لإسرائيل، وهي مسؤولة عن جمع المعلومات والتحليل الاستخباري في مجالات الأمان والسياسة والاقتصاد والتكنولوجيا، بالإضافة إلى مجالات أخرى، أما الشاباك فهو الجهاز الأمني الإسرائيلي الرئيسي المعني بالأمان الداخلي والاستخبارات الداخلية. يُعرف رسمياً بـ "شِين بِت"، وهي اختصار لكلمات "شَيْرُوت هَبِيتاخُوت"، والتي تعني "خدمة الأمان العام". تأسس الشاباك عام 1949.
كان عيسارهاريل، قصير القامة قوي البنية، وهو الضابط الأعلى فيما يتعلق بالتحقيقات وتشكيل القوائم السوداء للمطلوبين، كما كان يتزعم تشكيلات القمع وتصفية الفلسطينيين.
لقد تم طرح قضية التطهير العرقي في فلسطين من طرف عدة خبراء فلسطينيين ويهود، مثل وليد خالدي، ونور مصالحة، وجيرشون شافير، وباروخ كيمرلينغ، وغيرهم. يعد كتاب طرد الفلسطينيين، "Expulsion of the Palestinians. لنور مصالحة من أهم ما نشر في الموضوع، إذ يظهر بوضوح مدى تشبث الفكر السياسي الصهيوني بالنقل القسري déportation La، أي نقل الأفراد بشكل قسري من مكان إلى آخر . مارس كل مؤسسي الحركة الصهيونية فعل النقل القسري déportation La ،بداية من ثيودور هيرتسل، إلى القادة الرئيسيين في المؤسسة الصهيونية، كانوا يرون أن النقل القسري، أو التطهير العرقي لفلسطين هو الخيار الصحيح ، كتب الصهيوني ليو موتسكين، عام 1917: "نحن نعتقد أن استيطان فلسطين يجب أن يتجه في اتجاهين: توطين اليهود في أرض إسرائيل وإعادة توطين العرب في أرض إسرائيل خارج البلاد..... إعادة توطين قرية فلسطينية في أراض غير إسرائيلية ، ليست مكلفة إلى هذا الحد، وهو أمر قابل للتحقيق." تمت مؤخرًا دراسة هذأ الجانب المثير للاهتمام في الحالة الفلسطينية من قبل عدة باحثين ، قام غيرشون شافير وباروخ كيمرلينج بتوضيح الرابط بين الصهيونية والاستعمار، لكنهما لاحظا أن الحالة الفلسطينية تجاوزت حالة الاستعمار التقليدي لأنها تقوم على طرد الفلسطينيين من أرضهم .
بدأ التطهير العرقي بفلسطين عام 1948 ،واستمر بوسائل وأشكال مختلفة إلى يومنا هذا ، إلى درجة يمكن أن نستلهم كل التفاصيل الدقيقة لجريمة التطهير العرقي مما حدث للفلسطينيين أثناء النكبة. قبل أن نغوص في تاريخ التطهير العرقي في فلسطين لرصد كل أشكاله وتجلياته والآثار التي خلفها ويخلفها إلى يومنا هذا ، دعونا نتوقف لحظة عند بعض الأرقام. قد ينحصر عدد الفلسطينيين الذين تعرضوا للنقل القسري سنة 1948، بين 750،000 أو 800،000، ربما قد يبدو لكم الرقم متواضعًا بالمقارنة مع ملايين الأشخاص الذين تم نقلهم في أوروبا إبان الحرب العالمية الثانية، أو التجاوزات التي حدثت في أفريقيا أواخر القرن العشرين ، وبداية القرن الواحد والعشرين ، ولكن في مثل هذه الظروف يجب أن ننظر في النسب المئوية، إذا كنا نريد فهم عمق المأساة التي حلت بالفلسطينيين. لقد تم طرد نصف السكان الأصليين الذين كانوا يعيشون في فلسطين، وتم تدمير نصف مدنها وقراها، استطاع القليل من المطرودين العودة إلى قراهم ومدنهم، لكن ما يرفع من درجة مأساوية الحالة الفلسطينية ،هو عدم فهم لماذا تم تجاهل هذه الجريمة التي ارتكبت في العصر الحديث، رغم تواجد صحفيين أجانب ومراقبين من الأمم المتحدة، لا يمكن تقبل فكرة محو التطهير العرقي الذي حدث بفلسطين عام 1948 من الذاكرة الجماعية العالمية ومسحه من الوعي العالمي، لا يمكن أن ينسى كل العالم حقيقة إجبار نصف السكان على الرحيل بالقوة في عام واحد، وهدم نصف القرى والبلدات الصغيرة، لتتحول إلى أنقاض وحجارة ، حدثت هذه الجريمة في الزمن الحديث ، على أرض معروفة، الغريب أن هذه العملية الإجرامية ضد الإنسانية لم تدخل أبدًا في كتب التاريخ، وأن جميع الجهود الدبلوماسية التي تهدف إلى حل الصراع الذي اندلع في هذا البلد تهمل تمامًا أو تتجاهل هذا الحدث الكارثي.
في تاريخ العالم كما نعرفه، التاريخ الذي يلي الحرب العالمية الثانية: لا نجد حالة واحدة من حالات التطهير العرقي تشبه ما وقع وما يقع في فلسطين ، لقد سجل التاريخ حالات كثيرة ، مثل إبادة الأرمن، والهولوكوست وإبادة المسلمين في يوغوسلافيا زمن التقسيم ، وحالة دارفور بالسودان وحالات أخرى ، دون الإشارة إلى الجرائم المرتكبة ضد الفلسطينيين.
 
يتبع
 
عن كتاب:          
Le nettoyage ethnique de la Palestine Ilan Pappé
ترجمة وإعداد: عبد المجيد طعام، قاص وكاتب
 ( بتصرف )