نظمها نادي الاتحاد بتطوان.."الأسرة المغربية في الماضي والحاضر والمستقبل"

نظمها نادي الاتحاد بتطوان.."الأسرة المغربية في الماضي والحاضر والمستقبل" جانب من اللقاء
نظم نادي الاتحاد بتطوان يوم الجمعة 24 نونبر 2023 ندوة فكرية بعنوان "الأسرة المغربية في الماضي والحاضر والمستقبل" وذلك بمشاركة ثلة من الأساتذة والباحثين، عبر مقاربات مختلفة دينية وحقوقية ونفسية واجتماعية.
 
افتتحت الندوة بكلمة ترحيبية للدكتور محمد بلال أشمل، الأستاذ بكلية أصول الدين بتطوان والباحث في الفكر والحوار الحضاري، تلتها مباشرة تلاوة آيات بينات من الذكر الحكيم تلاها الطالب الباحث محمد العوبيدي.
 
انطلاق أشغال الندوة كان بكلمة رئيس النادي أحمد حجاج ضمنها ترحيبه بالجمهور الحاضر، وبجزيل الشكر وعظيم الامتنان للسادة الأساتذة المشاركين، كما أشار إلى الأسباب الحاملة على تنظيم هذه الندوة، واختيار موضوعها، والغايات النبيلة من وراء تنظيمها بما تلامسه من قضايا لها صلة بواقع الأسرة المغربية.
 
وبعد كلمة رئيس النادي، أعطى الدكتور أشمل بصفته رئيس الجلسة العلمية الكلمة للأستاذة رجاء الأندلسي المحامية بهيئة تطوان، والفاعلة الحقوقية في جهة طنجة تطوان؛ حيث أكدت في البداية على أهمية الأسرة؛ إذ ذهبت إلى أنها الحجر الأساس الذي يبنى عليه المجتمع، وأن الزواج الشرعي هو الخلية الأساس لبنائها ومن ثم تمثل الأساس القوي للدولة. ولذلك فإن هذه الأخيرة تسعى لتوفير الحماية الاجتماعية لها، وهذا ما أكد عليه إليه دستور 2011 لاسيما المادة 32 منه، وبذلك يكون المغرب قد حافظ على الخلية الأولى في المجتمع حينما عمل على صياغة مدونة الأسرة، وسعى إلى بنائها على مقاصد الشريعة الاسلامية.
 
وخلال مداخلتها، قامت الأستاذة رجاء الأندلسي باستقراء نصوص المدونة فخلصت إلى أن المشرع المغربي حافظ على الأسرة وكيانها، ثم تطرقت للحديث عن بعض المستجدات التي جاءت بها من قبيل تغيير الاسم، التعريف بالفئة التي تخضع للأسرة، تغيير مفهوم الزواج إلى ميثاق، تحديد سن الزواج في سن 18 كاملة مع امكانية تخفيضه، الحسم في الزواج من حيث هو حق للمرأة، ثم تقييد التعدد، وأن الطلاق حق للزوجين معا مع توثيق حق المرأة في طلب الطلاق، والحفاظ على حقوق الطفل مع ضرورة الرعاية الخاصة، وحماية حق الطفل في النسب إلى غير ذلك من المستجدات لتخلص في الأخير إلى أن المشرع المغربي بذل جهودا من أجل الحفاظ على الأسرة. وختمت مداخلتها بالتساؤل عما إذا نجحت هذه القوانين في تحقيق تلك الحماية المرجوة للطفل والأسرة. كما تناولت مسألة مسائل تتعلق بالتجريم الجنائي من قبيل تجريم الخيانة الزوجية، والحماية الجنائية للعلاقة الأبوية، والحماية الجنائية للأطفال بمن فيهم الأطفال في حالة إعاقة. وحرصت الأستاذة رجاء على التساؤل مرة أخرى عما إذا كنا نعاني من أزمة نصوص قانونية، أم من أزمة تطبيق؟ وهل القاعدة القانونية تسمو على القاعدة الأخلاقية؟
 
بعدها تناولت الكلمة الدكتورة زينب المرواني، الباحثة في الفقه الإسلامي والمذهب المالكي، حيث اختارت الحديث عن الأسرة في جانبها الفقهي والديني. وفي هذا السياق، مهدت لكلمتها بالإشارة إلى معنى كلمة الأسرة في المعاجم اللغوية لتخلص إلى أنها مقيدة بالمحبة والعطاء؛ فالأسرة هي اللبنة التي تتكون من رجل وامرأة يربطهما الزواج الشرعي القانوني، لأن العقد الشرعي يهدف إلى إعطاء أهمية التوثيق وهو مظهر من مظاهر التمدن. كما أشارت إلى لفظ الأسرة لم يرد في القرآن الكريم، إلا أن الناظر يجد تفصيلات دقيقة حولها كالحديث عن الأبناء، وعن بر الوالدين. كما تطرقت للحديث عن الأسرة في السنة النبوية الشريفة التي ترى أنه عند الاطلاع على تفاصيلها نقع في حالة من الانبهار فرسول الله صلى الله عليه وسلم كان يؤسس أسرة تقدم الاحتياجات العاطفية والنفسية لكل من الزوجين والأطفال.
 
كما سعت الأستاذة زينب المرواني إلى الحديث عن الأسرة بين الماضي والحاضر والمستقبل مع القيام بمقارنة بين الأسرة قبل التكنولوجيا وبعدها، حدث خلصت إلى أن الأسرة قبل هذه المرحلة، أي قبل انفتاح الأسرة على عالم التكنلوجيا كانت مرتبطة بالمساجد والمدارس والقيم والاحترام كما كانت تمثل قدوة المجتمع بأسره، لكن بعد تلك المرحلة أصبحت الأسرة متباعدة، والأجهزة أصبحت طاغية لا على الفكر الاجتماعي ولا على الفكر الأسري، بل على جميع مناحي الحياة، بل لم تسلم منها حتى لغة الخطاب اليومي التي أصبحت أقل احتراما عما كانت عليه سابقا، بالإضافة إلى انتشار القيم الرقمية، وتزايد حالات العنف الأسري. وبحكم تخصصها الفقهي واشتغالها على موضوع النوازل الفقهية، أشارت المحاضرة إلى أن النوازل التي وقفت عليها تخلو من أية نازلة ترتبط بالعنف ضد المرأة والأصول.
 
من جانبه، رأى الدكتور أحمد المطيلي، العالم النفسي والمعالج النفسي، أن شيئا ما حدث للأسرة المغربية؛ فبالعودة إلى الوراء، لاحظ أن المجتمع انتقل من البداوة إلى الحضارة، وشهدت أواخر التسعينات ازدياد نسبة السكان بالمدن، وشهد معها ظاهرة الانتقال من البادية إلى المدينة، وسجلت سنة 2008 مثلا ازدياد عدد سكان الحضر عن سكان البادية، مقدما على ذلك بعض الإحصائيات المتعلقة بعدد السكان، وتغير أنماط حياتهم، ومنها نمط الأسرة المغربية في الولادة وتربية الأبناء. فأهم شيء شهدته الأسرة المغربية الإقامة في المدينة عوض الريف وما ترتب عن ذلك من الرغبة في الحصول على الحاجيات التحسينية والتكميلية، وانخفاض خصوبة المرأة، وكذا انخفاض نسبة الأمية، ثم الانتقال من العائلة إلى الأسرة، على خلاف ما كانت تشهده البادية من ارتفاع خصوبة المرأة واكتفاء الأسرة بالحاجات الضرورية، مع ارتفاع نسبة الأمية، والنزوع إلى العائلة ككيان للحماية أوسع من الأسرة. وفي هذا الصدد، لاحظ المحاضر أن الأسرة تنمي النزوع الفردي على خلاف العائلة التي تربي النزوع الجماعي وهذا ما افتقدته الأسر المهاجرة إلى المدينة واختلال بنيتها الاجتماعية، ومنه ما صارت تعانيه من اضطرابات نفسية المتمثلة في بعد الصلات بين الأطفال والأجداد، وضمور العواطف العائلية وخروج المرأة للعمل وظاهرة المرأة العاملة والزوج المعطل، وارتفاع نسبة الطلاق المهول وظهور الأمهات العازبات، وارتفاع نسبة الانتحار والهجرة وتشرد الأطفال وغيرها من الظواهر الطارئة على الأسرة ومن ثم على المجتمع المغربي.
 
لقد هيأت ندوة "الأسرة المغربية بين الماضي والحاضر والمستقبل" فرصة للتعرف على ما آلت إليه مدونة الأسرة الجديدة، ورصد مختلف الأوضاع التي شهدتها الأسرة المغربية في جميع أطوارها الماضية والحاضرة، وكذا استشراف مستقبلها.
 
وكانت حصة المناقشة التي تناول فيها ثلة من الباحثين والباحثات في الشأن الاجتماعي والأسري والديني قضايا الأسرة المغربية فرصة ثمينة لإغناء مختلف الأفكار والمقترحات التي قدمت حول موضوع الأسرة، ولتبادل الرأي والنظر في واقعها، وتصورها المستقبلي.
 
ولعل الجميع كان واعيا بالدعوة التي رددتها الدكتورة زينب المرواني خلال مداخلتها بأن القيم التي سيتم التعويل عليها لبناء أسرتنا، إنما ينبغي تحديدها منذ الآن قبل الخروج من مقر النادي نظرا لخطورة الموضوع وثقل المسؤولية الملقاة على عاتقنا.
 
ختام الندوة توج بتقديم شواهد تقديرية لكل المشاركين في أطوارها مع التوقيع في الدفتر الذهبي الذي هو بمثابة السجل التاريخي للنادي الذي يؤرخ لكافة أنشطته العلمية والثقافية.
 

هاجر الفيلالي/باحثة بسلك الدكتوراه في كلية أصول الدين-بتطوان