م.المانوزي: بمناسبة َ11 يناير.. لمن مصلحة إجهاض مطلب الدولة الوطنية؟

مصطفى المانوزي مصطفى المانوزي

عندما نتصفح العرائض المطالبة بالاستقلال الوطني عن الاستعمار الفرنسي، وهي أكثر من عريضتين، يستنج أن أغلب محرريها والموقعين عليها شبان، بما يعنيه من توفر الحماس الناضج بقدر جسامة مسؤولية وجدية مطلب التحرر بوسائل سلمية وسياسية، هذا من جهة، ومن جهة ثانية يتضح بجلاء أن التعددية والاختلاف كانت حاضرة بامتياز، لكنها مؤطرة في نفس الاتجاه الوطني المشترك، إلغاء مظاهر الحجر و الوصاية، بما يعنيه أيضا من مركزية الهدف ووحدة الغاية، رغم تعدد المنطلقات والمنهجيات، ويبدو كخلاصة أولية أن الاهتمام بالشأن العمومي المشترك لم يكن حكرا على الكهول والزعماء وحدهم، وبالتالي تتيح المناسبة الوطنية لعيد 11 من يناير، فرصة لتقييم حجم ونسبة إقدام الشبان المغاربة على عروض الانخراط في العمل السياسي من أجل المشاركة في التفكير والتدبير للشأن العام، مما يطرح سؤال بنيات الاستقبال المتوفرة في الفضاء العمومي، المغلق والمفتوح معا، فلا يسع الحديث عن بنيات الأحزاب المفترض أنها صاحبة الشأن الشبابي والمعنية به، خاصة وأن جلها طلق البعد الحقوقي والاجتماعي في هويته الحزبية وانشغل بالهم الانتخابوي الموسمي الذي يفرخ مزيد من النخبة الفاسدة أو النخبة التائهة بين ثنايا التغرير والترغيب أو التحريف والتخريف، لكن حسبي الحديث عن الدولة غير الاجتماعية والتي قمعت منذ عقود حماس الشباب واجهضت أحلامه في الثانويات والجامعة، بتوفيرها كل سبل الإرهاب الفكري والسياسي، لفائدة التيارات الأصولية المؤطرة بالفكر الإخواني والوهابي، حتى صار العقل التاريخي يسجل بأسف شديد، تواطؤ الأجهزة المخابراتية في عملية استئصال الفكر النقدي من المنظومة التربوية وكذا النضال الديموقراطي السلمي والتقدمي من الحرم الجامعي والثانويات، مما يطرح إشكالية رد الاعتبار للتوازنات للمشهد السياسي و في ظل فقدان واضمحلال القيم الموجبة لكل تحرر وتقدم .
فليس غريبا أن تواجه الدولة، بجميع أجنحتها، المد الأصولي الطامح والطامع في الاختراق وأسلمة المجتمع والدولة نفسها، بالمعنى الداعشي والخلافوي والوهابي للكلمة، فليس بالدستور الناقص نفحة الكونية الإنسانية، وليس بالشرعية الدينية المترددة، ولا حتى بالليبرالية غير الاجتماعية، ولا بالمقاربة الأمنية، يمكن التصدي للرجعية التي تتخفى وراء الدين بأدلجته ضمن نزعة المظلومية، فالذي يجهض كل محاولات الخلاص من معوقات التحول الديموقراطي، هو التجريبية التي تشتغل بها الآلة القضائية والقانونية والتشريعية، ولعل مظاهر العنف والعنف المضاد وانتعاش « نظام الحسبة » كقنوات لمأسسة النهي عن المنكر، كحق أريد بها بطلان كل المكتسبات الديموقراطية وكل ما تراكم في المجال الحقوقي، انطلاقا من حرية التعبير إلى الحق في الحياة، وعبر مطلب المحاكمة العادلة والحكامة الأمنية، وكالتزامات تعهدت بها أعلى سلطة في البلاد.
وإنها لدروس غنية بالحكم والعبر ينبغي استخلاص، ما دامت المناسبة شرط وطني ولحظة ديموقراطية، لكي نطرح سؤال فك الارتباط بين الأصوليات هنا وهناك، والكف عن تماهي المسؤوليات أو التنصل من المساءلة وراء تنازع الشرعيات، الدينية والتاريخية، في قمع كل مبادرات استكمال ولادة الشرعية الديموقراطية، مما يستدعي أن يتم رد الاعتبار للعمل الحزبي وتطهيره من شوائب الفساد ومظاهر تبرير الاستبداد، بعلة هشاشة الصف التقدمي وموت اليسار.
ولقد حان الوقت للتذكير بالتوجسات التي تطوق أفقنا وتؤرق لحظاتنا، فقد تم اجهاض مطلب الاستقلال موضوع الوثائق ومحل المقاومة والصراع السياسي والنقابي الوطني، باتفاقية ايكس ليبان، ثم تم فسخ التسويات السياسية التي توجت بتوصيات هيأة الإنصاف والمصالحة، بإبرام صفقة حول تمكين الشقيقة الأصولية، ضمن حكومة غير منسجمة لإجهاض الحراك الفبرايري وما نتج عنه من إصلاح دستوري، وها نحن نعيش محاولات إقبار مطلب الأمن القضائي والحكامة الأمنية باسم مناهضة الإرهاب وبعلة فك العلاقة مع تداعيات الصفقة المذكورة، الشيء الذي خلق ارتباكا مفضوحا، سيؤثر لا محالة على عنصر الثقة في التعاون والانخراط في مسلسل تحديث الدولة والمجتمع، ونحن على أبواب الانتخابات التشريعية وفي ظلال الإرهاب « الحقوقي » المعولم لقضايانا الوطنية والمصيرية.

  • أنفاس بريس :  مصطفى المانوزي
  • طباعة
  • أرسل إلى صديق
آخر تعديل على الثلاثاء, 10 كانون2/يناير 2017 23:56
قيم الموضوع
(1 تصويت)

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*)

حاليا في الأكشاك

une-Coul-688

  • الأكثر مشاهدة
  • سحابة كلمات