مصطفى نزيه: تركيا والإرهاب... إلى متى مقاومة تحديات الداخل والخارج؟

مصطفى نزيه مصطفى نزيه

أن يقع اعتداء إرهابي جديد قرب محكمة بإزمير، مدينة الساحل الغربي السياحي لتركيا في الحين الذي لازالت فيه إسطنبول العاصمة الاقتصادية تضمد جراح الهجوم المسلح على ملهى شهير ارتاده ما يزيد عن 600 شخص احتفالا برأس السنة الجديدة، يجعل ولا شك من بلاد أتاتورك أول دولة (بغض النظر عن الدول الفاشلة) يسجل فيها أكبر عدد من الهجمات و الاعتداءات خلال سنة ونصف تقريبا، أي منذ يونيو 2015 إلى يناير 2017، بما يفوق 14 عملية إرهابية راح ضحيتها أزيد من 400 شخص ومئات الجرحى. وهي حصيلة تجعل تركيا، في بداية سنة 2017، أمام تحديات سياسية وأمنية واقتصادية كبرى.

فرغم أن عملية إسطنبول الإرهابية تبناها تنظيم داعش وعمليات أخرى تبناها حزب العمال الكردستاني، ليعطيان بذلك الحق لتركيا في الدفاع عن النفس ومواصلة الحرب على الإرهاب، إلا أن هذه السلسلة من الاعتداءات أصبحت تطرح أكثر من سؤال، خاصة أنها متواصلة منذ صيف 2015 بهدف تكسير القطاع السياحي والتأثير على حكومة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ذو الشعبية المتزايدة، عبر زعزعة الأمن والاستقرار في البلاد. ولربما تكون هذه الشعبية من مسببات استهداف البلاد التي لا يستبعد أن يصير نظام الحكم الحالي فيها رئاسيا لو توفرت الظروف السياسية.

فإذا ما أضيفت إلى العمليات الإرهابية المحاولة الانقلابية في يوليوز 2016 وما ترتب عنها والتي قادها جزء من الجيش وأفشلها الشعب بخروجه للشارع لمواجهة الانقلابيين، تصبح الأسئلة حارقة حول الأمن، من جهة، ومن جهة أخرى حول انخراط تركيا في قضايا سوريا والعراق، وما أديا إليه من تحالفات وتحالفات مضادة على المستويين العربي و الدولي، دون أن ننسى الإشارة إلى مواجهتها لإسرائيل ديبلوماسيا وسياسيا وما أدت إليه من لعبة شد الحبل بين الطرفين.

صحيح أن تعدد الحدود لأي دولة يعكس مباشرة تعدد التحديات الأمنية ويعد نعمة ونقمة في نفس الوقت، حسب الظروف السياسية والاقتصادية، فيشكل مصدرا للثروة أحيانا بفضل سهولة التبادل التجاري والسياحي مع دول الجوار وأحيانا أخرى مصدر قلق بسبب المشاكل الأمنية المحتمل وقوعها.

صحيح كذلك أن الجغرافيا حكمت، في هذا المجال، على تركيا الأوروبية ـ الأسيوية بنصيب الأسد وهو 8 حدود مع: اليونان (206 كلم) وبلغاريا (240 كلم) وجورجيا (252 كلم) وأرمينيا (268 كلم) وأذربيجان (9 كلم) وإيران (499 كلم) والعراق (331 كلم) وسوريا (822 كلم)، مما جعل العلاقات مع دول الجوار، عبر التاريخ، علاقات مد و جزر وأن الجمهورية التركية الحديثة التي أعلن عنها مصطفى كمال أتاتورك في 29 أكتوبر 1923 لم تغير شيئا من هذا الواقع الذي وصل إلى الاعتراف بإسرائيل سنة 1948 وإلى التوقيع على اتفاقية للتعاون العسكري معها سنة 1996.

لكن التاريخ لا يعيد نفسه دائما، إذ منذ وصول حزب أردوغان الى السلطة سنة 2002 تغير المسار وأعلنت الحكومة والشعب في تركيا مساندتهم المطلقة للقضية الفلسطينية وزكى اختيارهم هذا وصمودهم أمام حلفاء إسرائيل ما أبان عنه الإسرائيليون من غطرسة وتوسع استيطاني وتدمير للبنى التحتية وللإنسان في الأراضي الفلسطينية، وهو اختيار لا يمكن إلا أن يجر على أنقرة تحالفات مضادة وهي المرشحة للانضمام للاتحاد الأوروبي.

توجهات أردوغان السياسية إذا، كانت مختلفة عن سابقيه ولم يكن يرى لها بعين الرضى في بعض العواصم الأوروبية وكذا في الولايات المتحدة الأمريكية، وظهر ذلك من خلال تشنجات في العلاقات.

فعلى مستوى مفاوضات انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي، التي يعود تاريخها إلى 1987 لما تقدمت أنقرة بطلب الانضمام، وقع فتور سنة 2007 إن لم نقل عراقيل وضعت أمام الحكومة التركية بإيعاز من فرنسا وألمانيا على الخصوص. ومنذ ذلك التاريخ يقال بأن الاتحاد أدار ظهره لتركيا، ولو أنه احتاجها سنة 2016 لتدبير ملف المهاجرين من سوريا إلى اليونان قصد استيعابهم.

وفي العراق هناك خلافات بين واشنطن وأنقرة، على الأقل فيما يخص تواجد القوات التركية هناك، إضافة إلى الخلاف بشأن القضية الفلسطينية. وقد لوحت تركيا يوم 6 يناير 2017 بحقها في إغلاق القاعدة الجوية "إنجيرليك" بمدينة أضنة، جنوب البلاد، التي يستعملها الحلف الأطلسي في إطار التحالف الدولي ضد داعش معتبرة أنها غير مدعومة في حربها ضد هذه المجموعة المتطرفة سواء في العراق أو في سوريا.

أما تداعيات الانقلاب العسكري الفاشل، فلا شك أنها جعلت الأجهزة الأمنية في الواجهة، حيث أن بعض الملاحظين يربط نجاح الإرهابيين في اقتراف جرائمهم بنقص التعاون بين الأجهزة في تركيا على إثر الاعتقالات والتوقيفات الكثيرة من العمل داخل مصالح الأمن والجيش، وهي آراء تناقش لأن الانقلابيين قاموا بمحاولتهم في يوليوز 2016 في حين أن الاعتداءات متتالية منذ يونيو 2015، من جهة، ومن جهة أخرى فقد سجلت سنتي 2015 و2016 وصول آفة الإرهاب أيضا إلى عدة دول منها فرنسا وبلجيكا وألمانيا، مع الأسف.

ومجمل القول أن تركيا الآن تواجه الإرهاب على 3 جبهات وهي تنظيم  داعش، من جهة، وحزب العمال الكردستاني وتنظيمات كردية أخرى ومجموعات اليسار الراديكالي، من جهة ثانية، و مؤسسة فتح الله غلن المسماة أيضا بحركة "خدمة"، و هو الذي تتهمه الحكومة بتدبير انقلاب يوليوز، من جهة ثالثة، إضافة إلى التحديات التي تواجهها على مستوى السياسة الخارجية مع بعض دول الجوار كإيران وكذا العلاقة مع مصر والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية وروسيا. ويمكن إضافة مشكل الهجرة كتحدي اقتصادي وسياسي وأمني، في نفس الوقت، وهي وضعية لا تحسد عليها لأن فتح عدة جبهات في آن واحد يبدد الجهود والقدرات وقد يؤدي إلى النفق.

ــ الاقتصاد التركي، هل هو غصن يميل ولا يسقط ؟

هذه الوتيرة من العمليات الإرهابية التي تعاني منها تركيا خلفت آثارا على القطاع السياحي. أما العلاقات المتشنجة مع روسيا والعراق فقد أضرت باقتصاد البلاد ككل نظرا لتنوعها القطاعي ولأهميتها على مستوى رقم المعاملات. ومع ذلك يمكن القول أن الاقتصاد التركي هو عبارة عن غصن يميل ولا يسقط بما أن بلاد أتاتورك كانت تحتل المرتبة 16 على سلم الاقتصاد العالمي و6 على مستوى اقتصاديات الاتحاد الأوروبي، سنة 2013، والمرتبة 7 على المستوى السياحي عالميا، سنة 2010، وتعد بنيتها الاقتصادية صلبة وما زالت لحد الآن تشكل القوة الاقتصادية الرئيسية في الشرق الأوسط. لكن إلى متى؟

إلى متى وقد تضرر القطاع السياحي منذ بداية الاعتداءات الإرهابية بأكثر من 30 % سنة 2016 مقارنة مع 2015، وهو من القطاعات الأساسية في البلاد، لما يجلبه من عملة صعبة وما يشغله من يد عاملة ولتأثيره، إيجابا أو سلبا، على قطاعات أخرى كقطاع التجارة الداخلية الذي يتأثر بالتداعيات الأمنية؟

في المقابل، سجل تدبير المخاطر والأزمات سنة 2016 مبادرة التواصل السريعة لأردوغان مع بوتين لتطويق حادث الطائرة الروسية الذي خلف ردود فعل قوية في موسكو.

وتسجل بداية 2017، في نفس الإطار، زيارة الوزير الأول التركي بن علي يلدريم لبغداد ابتداء من 7 يناير وبعدها لأربيل، شمال العراق، للتخفيف من حدة التوتر بين البلدين على الأقل. وهي مبادرات من شأنها خدمة الاقتصاد لاحقا. أضف إلى ذلك انخراط تركيا إلى جانب روسيا وإيران في مبادرة وقف إطلاق النار في سوريا التي لا ندري هل سيكتب لها النجاح أم لا؟

كلها مبادرات إذا، تحسب، على المستوى الخارجي، على توجه التدبير البراغماتي و"الريال بوليتيك".

لكن على المستوى الداخلي يتطلب الأمر شجاعة سياسية لخلق آليات مصاحبة تتولى، من جهة، قضية آلاف المعتقلين و المطرودين المدنيين من وظائفهم على إثر المحاولة الانقلابية الفاشلة، بعد أن تقول العدالة كلمتها طبعا، و من جهة أخرى مسألة استئناف الحوار مع سكان الجنوب الشرقي من أصول كردية، وهو الحوار الذي كان قد بادر إليه أردوغان لما كان وزيرا أول في حكومة الرئيس عبد الله غل. حوار توقف سنة 2011 لعدة أسباب يمكن التساؤل بشأن محاولة تجاوزها؟

  • أنفاس بريس :  مصطفى نزيه، مراسل صحفي سابق بتركيا
  • طباعة
  • أرسل إلى صديق
آخر تعديل على الأربعاء, 11 كانون2/يناير 2017 00:21
قيم الموضوع
(1 تصويت)

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*)

حاليا في الأكشاك

une-Coul-688

  • الأكثر مشاهدة
  • سحابة كلمات