قادة سياسيون وحزبيون يجيبون عن سؤال «الشلل الحكومي»: بنكيران يدفع اليوم ثمن إجهاضه لحركة 20 فبراير

للأزمة السياسية التي يعيشها المغرب وجوه كثيرة. فهي لا تتوقف عند حدود ما يسمى بشلل المؤسسات (الحكومة والبرلمانية) أو تتوقف عند «البلوكاج الحكومي» وعجز رئيس الحكومة المكلف عن «إنجاز» تشكيلة حكومية في مستوى «النتائج الانتخابية»، وفي مستوى تطلعات الناخبين. كما لا تتوقف عند حدود التماهي مع الأزمة نفسها، والاطمئنان إلى الصراع المصطنع بين «الشرعية» و«التحكم». إن العنوان الكبير للأزمة يتجاوز بنكيران ومعاركه الدونكيشوتية، ويتجاوز المسرح السياسي الذي يرغمنا المنشطون الضوضائيون على استهلاكه، فهو يرتبط بسياق عام بنيوي مركب، يتداخل فيه السياسي بالاجتماعي والاقتصادي، والثقافي أيضا. ولعل أوضح مؤشر على ذلك هو غياب أي إطار مرجعي لتكريس الاستقرار، فضلا عن غياب أي ردار يسمح للنخبة المغربية التي تدبر الشأن العام، وتشرف على وضع السياسات العمومية، وعلى تنفيذها على أرض الواقع، بالتقاط ما ينبغي عليه التقاطه من تطورات والتعامل معها واستغلالها بما يجعلها في خدمة مصالح البلاد. وتشتغل الأزمة في بلادنا على أكثر من صعيد؛ فعلى سبيل المثال، هناك تغييب تام للحوار والتفاوض الجماعي رغم كل المبادرات التي قامت بها المركزيات النقابية، وهناك استمرار لضرب القدرة الشرائية للمواطنين والزيادة في سعر المواد الأساسية (قفزت أسعار المواد الغذائية، حسب ما أكدته أخر إحصائيات المندوبية السامية للتخطيط ، بـ 2.8 في المائة حيث انتقل مؤشرها الرئيسي من 123.6 نقطة في نونبر 2015 إلى 127 نقطة في الشهر ذاته من 2016)، وهناك ارتفاع للمديونية الخارجية (33 مليار دولار) واستمرار الاعتماد الحصري على المديونية بعد خنق قنوات إنتاج الثروة والدخل بسياسات التقشف التي يفرضها صندوق النقد الدولي، وهناك تخبط سياسي وتباين في المواقف الديبلوماسية بين القرار السياسي المركزي وبعض الأحزاب ووجوه النخبة الحاكمة، وهناك اختلاف في السرعتين بين التشريع الدستوري والقوانين التنظيمية. ولعل من المتوقع أن يكون العنوان الأبرز للأزمة هو قطاع التعليم في بلادنا الذي بات يرزح تحت حالة غضب غصت بها شوارع البلاد بمجموعة من المسيرات والاحتجاجات ضد توصية الدورة العاشرة للجمعية العمومية للمجلس الأعلى للتربية والتكوين بالمصادقة على مشروع الرأي المتعلق بمشروع القانون الإطار لإصلاح منظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، الذي يمهد لإلغاء مجانية التعليم، والذي اعتبرته النقابات التعليمية والمهتمون بهذا القطاع الحيوي نهاية لمجانية التعليم في المغرب، حيث نظمت مسيرات وطنية احتجاجية بهدف إنقاذ المدرسة العمومية ، شملت كل أطياف المجتمع. ليس هذا فحسب، فمن العناوين البارزة للأزمة والمشاكل التي تطل في الأفق مع قرار تعويم الدرهم المغربي الذي من شأنه أن يقودنا إلى «الحالة المصرية» إذا فشلت الحكومة في تحصين الانتقال التدريجي من نظام الصرف الثابت إلى نظام الصرف المرن. هذا فضلا عن تراجع تدفقات الاستثمارات الخارجية المباشرة، والتي تفيد بشأنها آخر إحصائيات مكتب الصرف، أنها تراجعت هي الأخرى بحوالي 9 ملايير درهم ، حيث تقلصت من 29 مليار درهم في شهر نونبر من العام الماضي إلى 20 مليار درهم في شهر نونبر من هذه السنة. إن الأزمة في المغرب حقيقة لا يمكن نكرانها، وهي دعوة صريحة إلى محاولة استعادة المبادرة بدل أن يذهب تسونامي الأزمة ببلادنا إلى الهاوية.

علي بوطوالة، الكاتب الوطني لحزب الطليعة الديمقراطي الإشتراكي

المستفيدون من هذا الشلل المؤسساتي هم لوبيات اقتصاد الريع 

* كيف تنظرون الى الأزمة السياسية في البلاد بعد عجز رئيس الحكومة عن تشكيل الحكومة؟
l المشهد السياسي الحالي يشكل استمرار لما ترتب عن الانتخابات التشريعية لـ 7 أكتوبر، وطبيعي ما يحدث لأن هذا المشهد السياسي يخضع لإعادة هيكلة عن طريق النظام الانتخابي. فالنظام الانتخابي المغربي لا يسمح بفرز أغلبية منسجمة وواضحة لتشكيل حكومة ذات مصداقية. وطبيعي أن يعرف هذا المشهد ما يعرفه حاليا من لخبطة وتوتر ونقاش وانتظارات، لأن هذا المشهد متحكم فيه من طرف الدولة التي لا تريد فرز اغلبية منجسمة، وبالتالي فالبلقنة الحزبية تدخل في هذا الإطار. فكثرة الأحزاب ومساندة الدولة لبعضها خلال الانتخابات التشريعية وإيصالها للبرلمان بجميع الوسائل، وبالتالي فهذا يجعل الخريطة البرلمانية لا تعكس الخريطة السياسية كما هي في المجتمع، حيث نجد هناك مفارقة، فالقوى السياسية الفاعلة في المجتمع التي تقود الحركية والنضالات ترفع المطالب وتنظم الوقفات الاحتجاجية لا تمثيل لها في البرلمان أو لها تمثيل ضعيف جدا كما هو الحال بالنسبة لفيدرالية اليسار الديمقراطي، والقوى التي لا تمثيل لها في المجتمع ولا تمثل قوى طبقية أو اجتماعية واضحة المعالم نجدها تتوفر على عدد مهم من المقاعد في البرلمان، في حين أنها ليست لها أية قاعدة شعبية ولا وزن سياسي لها. وبالتالي فهي دائما رهينة الإشارات والتعليمات التي تأتيها من فوق والأزمة الحالي، وأزمة تشكيل الحكومة هي في الحقيقة تعود إلى هذه الأسباب الجوهرية، أي تعود الى طبيعة الحقل السياسي المغربي.

* هناك شلل مؤسساتي، بلوكاج في تشكيل الحكومة، البرلمان معطل عن إنتاجه التشريعي بالمقابل الشارع يغلي بالمطالب الاجتماعية وبالاحتجاجات المنددة بضرب القدرة الشرائية وضرب مجانية قطاعات حيوية وعلى رأسها قطاع الصحة وقطاع التعليم، فكيف تنظر من زاويتك إلى هذا الوضع؟
l هذا الشلل المؤسساتي كما قلت لك هو شلل ظاهري، فالواقع أن الفاعل السياسي المتحكم في الخريطة الحزبية والسياسية بصفة عامة هو دائما يسيير جميع المؤسسات بتوجيهات وتعليمات من فوق، والحكومة دائما تساعد في تنفيذ التوجهات الكبرى المرسومة خارج أي برنامج حكومي سواء كانت الحكومة أم لم تكن. الآن وكما تعرف كان من المفروض أن تتم المصادقة على قانون المالية قبل نهاية دجنبر من البرلمان وحاليا يجري تصريفه عبر مراسيم..

* ألن يكون لهذا انعكاسات على الاستثمار العمومي، وعلى الاقتصاد؟
l طبعا... ستكون له انعكاسات على الاستثمارات الخارجية ربما، لأن الفاعلين الاقتصاديين الخارجيين يحكمون على سير البلاد من خلال السير العادي للمؤسسات المعروفة (الحكومة، البرلمان..) وربما ستكون لهذا البلوكاج انعكاسات على الاستثمارات الخارجية وعلى الصورة الخارجية للمغرب، أما على المستوى الداخلي فمعروف من يسير البلاد، ومعروف دور الدولة ودور وزارة الداخلية، وبالتالي فهذه المؤسسات التي من المفروض أن تكون هي المؤسسات الرسمية والقاعدة والمسييرة والمدبرة للشأن العام نجد أن لها دورا هامشيا وليس دورا مركزيا، ورغم الإصلاح الدستوري الذي تم عام 2011 ظل الحكم السياسي -مع الأسف- كما هو، لأن النظام الانتخابي هو وسيلة من الوسائل الأساسية لإعادة هيكلة الحقل الحزبي ولتقديم هذا الحزب أو تأخير هذا الحزب وتوزيع الامتيازات. وطبعا المستفيدون من هذه الأوضاع هم لوبيات اقتصاد الريع، لأنه في الجوهر هذا الصراع حول الحكومة الحالية هو صراع اقتصادي وصراع مالي وصراع حول مدى استفادة هذا الطرف أو ذاك من البورجوازية الريعية من الصفقات العمومية ومن المشاريع الإستثمارية ومن كل توجهات السياسة العامة المالية والإقتصادية التي ينبغي أن تطبق.

* كيف تنظر إلى مفارقة كون الحزب الذي سيقود الحكومة الحالية طبق سياسة لا شعبية حملت الكثير من التراجعات عن المكاسب التي راكمها المغاربة ومع ذلك استطاع تصدر المشهد الحزبي؟
l هذا دليل كما قلت على أن المشهد الإنتخابي متحكم فيه فعلا، وحزب العدالة والتنمية يريد أن يستفيد من هذه الأوضاع ويريد أن يوجد دائما في مقدمة المشهد السياسي. وبطبيعة الحال فاستراتيجية حزب العدالة والتنمية اصطدمت بمقاومة ومعارضة قوى تريد إضعاف كافة الأحزاب التي لها امتداد في الشارع، والتي لها قاعدة شعبية ووجدوا صعوبة كبرى في تشكيل أغلبيته، لأن رئيس الحكومة المعين يصر على إشراك حزب التجمع الوطني للأحرار، وحزب التجمع الوطني للأحرار يشترط إبعاد حزب الاستقلال أو بعض رموزه على الأقل وهذه هي المعضلة.. كان بإمكان عبد الإله بنكيران أن يشكل الأغلبية دون التجمع الوطني للأحرار، ولكنه يصر على وجوده داخل الحكومة، طبعا لاعتبارات سياسية ولحسابات معينة، وخصوصا لعلاقته مع الطبقة الحاكمة، فهو من جهة يريد إرضاء الدوائر الحاكمة، ومن جهة أخرى يريد أن يكون له هامش كبير للمناورة داخل الحكومة.

* إذن، هذا «الخليط الهجين» الذي يرتقب أن تتشكل منه الحكومة ينبئ حسب الكثير من المراقبين باستمرار مسلسل التراجعات المسجلة في التجربة الحكومية السابقة، فكيف يمكن مواجهة الوضع من طرف القوى الديمقراطية والتقدمية في البلاد؟
l مع الأسف، فكيفما كانت تشكيلة الحكومة المقبلة، وكما قلنا في العديد من البيانات، فإنها ستلجأ إلى تطبيق نفس التوجيهات الصادرة عن المؤسسات المالية الدولية، وخاصة صندوق النقد الدولي، وستتبع نفس الخطوط ونفس التوجهات الكبرى التي اتبعتها الحكومات السابقة يعني المحافظة على التوازنات الماكرو-اقتصادية على حساب تنشيط الدورة الإقتصادية وعلى حساب التوازنات الاجتماعية، وفي ظل التراجع عن العديد من المكتسبات الاجتماعية، خاصة بالنسبة للشغيلة المغربية، هذا سيؤدي طبعا إلى ارتفاع وتيرة الاحتجاجات سواء منها الاحتجاجات القطاعية أو الاحتجاجات الشبابية، إلى جانب الاحتجاجات في الجهات والأقاليم، لأن هناك تفاوتات بين الجهات وتفاوتات اجتماعية تتعمق باستمرار، وهذا ما يجعل الوضع في المغرب دائما يتسم بالهشاشة الاقتصادية والاجتماعية. وبالتالي فحتى الاستقرار السياسي سيصبح مرهونا بهذه الحالة، وهذا يشكل خطورة، خاصة إذا أخذنا بالاعتبار السياق المتوتر غير المستقر الذي نتواجد فيه في منطقة شمال إفريقيا والمنطقة العربية، سياق الانتقال من الأحادية القطبية إلى التعددية القطبية عبر مخاض عسير وصراعات حادة وحروب طاحنة، خاصة بالمشرق العربي. طبعا هناك انعكاسات سلبية على المغرب، ولكن الوضع الداخلي هو الذي يلعب الدور الأساسي، فالوضع الداخلي  -مع الأسف- بدل تحصينه وتمنيعه اجاه التقلبات الخارجية نرى أن الطبقة الحاكمة وحلفاءها لا يأخذون بعين الاعتبار المخاطر التي تواجه البلاد ويستمرون في تطبيق نفس الاختيارات ونفس التوجهات اللاديمقراطية واللاشعبية.

* في ظل حالة البلوكاج والشلل المؤسساتي طرحت مسألة غياب أي فصل دستوري يحسم الجدل بشأن فشل الرئيس المعين في تشكيل أغلبيته ألا يعيد الوضع الإصلاح السياسي والدستوري الى الواجهة من جديد؟
l طبعا.. هذا فعلا هو المخرج الحقيقي، المخرج الحقيقي هو الإصلاح السياسي والدستوري الكفيل بتحقيق فصل حقيقي للسلط وتوازن السلطات ومراقبة السلطات بعضها لبعض. فدون هذا المخرج الذي طرحناه في فيدرالية اليسار الديمقراطي الذي عبرنا عنه بالملكية البرلمانية التي من شأنها توفير الإستقرار لأمد طويل، سيبقى الوضع في المغرب يتسم بالتخبط والهشاشة ويحمل مخاطر حقيقية على استقرار وتقدم البلاد.

* ما هو المطلوب من القوى الديمقراطية والتقدمية لمواجهة خيارات الحكومة الليبرالية؟
l بالرجوع إلى الحملة الانتخابية لفيدرالية اليسار الديمقراطي التي فاجأت الكثير من المراقبين والمتتبعين، لأنها خلقت ديناميكية حقيقية. ففي اعتقادنا أن قوى اليسار لو تكتلت وتوحدت في جبهة ديمقراطية للنضال من أجل تغيير ديمقراطي حقيقي وإرساء دعائم الملكية البرلمانية ودولة المؤسسات. فبطيعة الحال هذا ممكن إذا تكتلت جميع القوى التي لها مصلحة في التغيير وبطبيعة الحال فالأداة الأولى لهذا المشروع هو توحيد قوى اليسار وطبعا مكونات فيدرالية اليسار تطمح الى الوصول الى الإندماج في أفق تشكيل الحزب الاشتراكي الكبير لإحداث التغيير الملموس في ميزان القوى. فبدون تغيير ميزان القوى بين القوى الديمقراطية والتقدمية والحداثية من جهة، وبين القوى المحافظة والأصولية والرجعية فلن يتحقق التغيير الديمقراطي كما يطمح له جل المغاربة، ولذلك فتوحيد مكونات اليسار وفي مقدمتها اندماج مكونات الفيدرالية في المستقبل، وهي مهمة صعبة تتطلب تعميق النقاش داخل الفيدرالية، تتطلب القراءة الموضوعية للمشهد السياسي وطنيا ودوليا، تتطلب القراءة الموضوعية لكل التحولات التي تمر منها بلادنا والمنطقة وبالخصوص استحضار المصالح العليا للشعب المغربي وللبلاد بصفة عامة وكذلك للحفاظ للوحدة الترابية وتحرير باقي الأجزاء المغتصبة، كل ذلك يدخل في هذا المشروع الديمقراطي الحداثي الذي لن يتحقق في اعتقادنا بدون القوى الديمقراطية فلايمكن تحقيق الديمقراطية بدون ديمقراطيين كما دلت على ذلك التجربة في كل بلدان العالم، اذن لابد من توحيد كل الديمقراطيين كخطوة أساسية لبناء المجتمع الديمقراطي الحداثي.

د. محمد مجاهد، الأمين العام السابق للحزب الإشتراكي الموحد

الأوضاع التي نعيشها هي نتاج التفاف الدولة وحزب العدالة والتنمية على مطالب حركة 20 فبراير

* يرى مراقبون أن المغرب يعيش من أزمة سياسية بعد فشل رئيس الحكومة المعين في تشكيل الحكومة، فكيف تنظرون الى هذه الأزمة، وماهي المخارج منها؟
l بغض النظر عن موضوع التأخر في تشكيل الحكومة، لدينا قراءة تحليلية للوضع السياسي، وبالخصوص بعد حراك 20 فبراير. نحن نعتبر أن ما يميز المرحلة الحالية هي نتيجة لتضييع الفرصة التاريخية التي كانت أمام المغرب للدخول إلى عهد الديمقراطية بعد أن رفعت حركة 20 فبراير مطالب تتعلق بالملكية البرلمانية والإصلاحات السياسية والدستورية العميقة ونزاهة الإنتخابات، إضافة إلى مطالب أخرى مرتبطة بإقرار العدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان. ونحن نعتبر أنه بعد حراك 20 فبراير تم الالتفاف على هذه المطالب، وبالتالي فالدولة أعادت إنتاج نفس الأوضاع السابقة.

* كيف تم هذا الالتفاف الذي تتحدثون عنه؟ ومن المسؤول عنه؟
l كان هناك مطلب الملكية البرلمانية، وبالمقابل كان هناك دستور 2011 الذي حافظ من جهة على الثوابت المخزنية الأساسية، بمعنى حافظ على الصلاحيات الكبرى الاستراتيجية للملك، وفي الوقت نفسه قدم بعض التنازلات المحدودة. هناك قوى ساهمت في هذا الالتفاف، ومن بينها الأحزاب الإدارية المعروفة، وأيضا حزب العدالة والتنمية الذي قاد الحكومة السابقة، كما أن أمينها العام مكلف الآن بتشكيل الحكومة الجديدة، وهذه الأوضاع كلها التي نعيشها هي نتاج هذا الالتفاف الذي شاركت فيه الدولة والأحزاب المخزنية، وكذلك حزب العدالة والتنمية. وبالتالي فنحن الآن نعيد إنتاج أوضاع ما قبل 20 فبراير.

* الشعب المغربي يعيش حالة من الانتظارية القاتلة دون أن يبدو في الأفق أي بصيص أمل في إحداث التغيير المنشود ووقف مسلسل التراجعات الذي شهدناه في ظل التجربة الحكومية السابقة، فما هو المطلوب لمواجهة هذا الوضع؟
l في تقديرنا أن المغرب يراوح مكانه.. هناك حالة من الانحباس السياسي، ليست هناك آفاق مفتوحة أمام المغاربة، ليست هناك ثقة في المؤسسات. وقد أحسسنا بعد الحادث المأساوي لمقتل الشهيد محسن فكري، والذي ساهم في خروج العديد من المظاهرات والوقفات الاحتجاجية الى الشارع. فلو كنا في دولة ديمقراطية لكان هذا كافيا لفتح تحقيق حقيقي، وهو الأمر الذي من شأنه أن يؤدي إلى ثقة المواطنين في المؤسسات.. مع الأسف، نلاحظ أن هناك حالة من عدم الثقة في المؤسسات، ولا أمل في المستقبل، فنفس أوضاع الهيمنة والتحكم في العملية السياسية والفساد مازال مستشريا سواء في دواليب الدولة أو في الاقتصاد الوطني، وما ينجم عن ذلك من فقر وهشاشة وإقصاء بالنسبة لفئات واسعة من الشعب المغربي. وأعتقد أن المغرب الحقيقي من هذه الأوضاع هو الإصلاحات المؤسساتية التي ستمكن المغرب من ولوج عصر الديمقراطية وتحقيق نهضته الحضارية والتنموية، كما ستمكن المواطنين من الشعور بأنهم في بلد حر وديمقراطي، في بلد يتساوى فيه جميع المواطنين أمام قضاء نزيه، في بلد يتوفر على اقتصاد نام متطور ويضمن الحقوق والكرامة لكل المواطنات والمواطنين، فهذا هو منظورنا داخل فيدرالية اليسار الديمقراطي.

* ماهو موقفكم من حالة البلوكاج التي طالت في تشكيل الحكومة، في ظل غياب فصل في الدستور يحسم هذا الجدل السياسي والدستوري الذي أثاره فشل رئيس الحكومة المعين في تشكيل أغلبيته؟
l هناك مظاهر الأمور، وهناك عمق الأمور.. البعض يركز فقط على المظاهر، ولكننا نحاول النفاذ إلى أعماق الأوضاع الحالية. فكما تعلمون فقبل الانتخابات كانت هناك تجاذبات ما بين الدولة من جهة وما بين العدالة والتنمية من جهة ثانية، حينما أقول الدولة أنا أقصد الدولة بتوابعها من الأحزاب الإدارية والأحزاب الأخرى التي تدور في فلك الدولة المخزنية، وكان هناك أيضا حزب العدالة والتنمية وحزب التقدم والاشتراكية الذي أصبح يدور حول حزب العدالة والتنمية وحزب الاستقلال الذي عاينا كيف كان يساهم خلال التجربة الحكومية السابقة في إطلاق النار على حزب العدالة والتنمية، حيث كان آنذاك يلعب ضمن دائرة المخزن وكيف أنه تحول بعد الانتخابات الجماعية لعام 2015 تدريجيا إلى أن أصبح حليفا لبنكيران. إذن، هذه التجاذبات الحادة كلها نتاج لما بعد حراك 20 فبراير.

* بعض المراقبين يشيرون إلى أن تصريحات شباط بخصوص موريتانيا فسحت المجال أمام بعض الدوائر لإزاحة شباط من المعادلة وفسح المجال أمام تشكيل أغلبية توصف بـ«الهجينة»، والتي لا خيط سياسي وإيديولوجي ناظم يربط بينها، وهو ما قد يقود إلى مزيد من التخبط واستمرار مسلسل التراجعات المسجلة في عهد الحكومة السابقة، مارأيك؟
l من خلال ما يروج في الإعلام وتصريحات بنكيران، وكذا بيان المجلس الوطني لحزب الإستقلال وبيانات الأحزاب الأخرى، يبدو أن الحكومة ستتشكل على أي حال، ولا أعتقد أن المشكل يكمن في هذه النقطة.. ستتشكل الحكومة وسنظل نعيش نفس الأوضاع. فصلاحيات الحكومة محدودة، وحتى هذه الصلاحيات المحدودة لاتمارس وستظل الهيمنة والتحكم في العملية السياسية وسنستمر في إعادة إنتاج نفس الأوضاع السابقة -كما قلت- والحكومة ستنفذ نفس التوصيات، سواء تعلق الأمر بتوصيات مركز القرار في المغرب أو توصيات المؤسسات المالية العالمية وكيفما كانت التشكيلة الحكومية. ففي ظل الوضع المؤسساتي الحالي لا ينتظر أي تغيير نوعي أو إصلاحات نوعية ستكون الحكومة الجديدة استمرارية للحكومات السابقة، وستكون الاستمرارية في النهج الليبرالي، كما ستكون الاستمرارية في المعيقات البنيوية لإحداث نهضة تنموية حقيقية، وأقصد اقتصاد الريع والامتيازات وما يعرفه وضع الإدارة المغربية، أزمة التعليم. وفي هذا الإطار أقول حذار من المس بميزانية التعليم، لأن نقطتين أساسيتين كانتا هما السبب في تاريخ المغرب في اندلاع انتفاضات كبرى: التعليم والخبز. مع الأسف فبعد أن مرر بنكيران عدة قوانين ضربت القدرة الشرائية للمواطنين، وصندوق التقاعد الذي مس بالمأجورين، ها هو الآن يريد تمرير قانون ضرب مجانية التعليم، وهم يقولون أن المجانية في التعليم ستستهدف فقط الذين لا يمتلكون إمكانيات، لكن الواقع الحالي أن الناس الذين يمتلكون الإمكانيات، والذين يتراوحون ما بين 12 في المائة و13 في المائة يدرسون أبناءهم في المدارس الخاصة، وما تبقى الآن في التعليم العمومي هم الناس الذين لهم إمكانات محدودة، وبالتالي لا يمكن أن نحمل هذه الفئات الهشة أداء رسوم لقاء تدريس أبنائهم في المدرسة العمومية.

* حسب ما نفهم من قولك إن القادم سيكون أسوأ، خاصة إذا استحضرنا ما عشناه خلال التجربة الحكومية السابقة، فماهو المطلوب منكم كقوى ديمقراطية وتقدمية؟
l أولا: نقاشنا الحالي يتركز داخل فيدرالية اليسار الديمقراطي حول مسألة إعادة بناء اليسار المغربي والحركة الديمقراطية المغربية، وقد اقترحنا خلال المجلس الوطني الأخير للحزب الإشتراكي الموحد على إخواننا في فيدرالية اليسار الديمقراطي اندماج المكونات الثلاث للفيدرالية قبل الانتخابات القادمة، وهدفنا من إعادة بناء الحركة اليسارية واليسار المغربي والحركة الديمقراطية هو خلق قطب ديمقراطي قوي قادر أن ينهض وقادر أن يبرز في صراع مع قوتين: قوة مخزنية بآلياتها والقوى الأصولية المحافظة الرجعية. ونحن نعتبر أنه لا بديل في بلادنا عن الخيار الديمقراطي. ففي العالم ككل الدول التي استطاعت أن تجد موقعا لها في العالم هي الدول التي تمثلت هذا الخيار الديمقراطي، وكما تعلمون فالخيار الذي يكثف الخيار الديمقراطي هو الملكية البرلمانية والإصلاحات الدستورية والمؤسساتية العميقة.
ثانيا: سنستمر في نضالنا بكل الوسائل ومع حلفائنا في النقابات ومع المجتمع المدني والحركات النسائية والحركات الشبابية ضد كل الإجراءات الحكومية اللاشعبية والتي تعمل على تدمير اللحمة الوطنية.

* هل تعتقدون إن هذا الاندماج سيكون كافيا لخلخلة ميزان القوى، وترجيح كافة مطالب الشعب المغربي مسنودا بالقوى الحية؟
l كما رأيتم، ففيدرالية اليسار حققت تقدما واضحا للعيان خلال الانتخابات التشريعية الأخيرة، وقد حصلنا على المراكز الثانية والثالثة في أغلب المدن المغربية بما في ذلك الدار البيضاء، الرباط، مكناس، فاس، طنجة، مراكش، تطوان، سطات،وجدة.. وبالتالي فهناك إمكانية لانطلاقة سريعة للقوى اليسارية والقوى التقدمية، والاندماج بين مكونات الفيدرالية سيكون مجرد محطة ولن يكون هدفا بحد ذاته. فهدفنا هو التواصل مع كافة الديمقراطيين أينما وجدوا.. هناك انهيار لليسار التقليدي والفيدرالية كي تخلق أملا جديدا لكل الديمقراطيين كيفما كانوا ونحن مستعدون للتواصل والحوار معهم كي نبني جميعا يسار ديمقراطي جماهيري قوي قادر أن يغيير وأن يخلخل موازين القوى -كما قلتم- لصالح الخيار الديمقراطي ولصالح ما نطرحه من إصلاحات دستورية ومؤسساتية، وأيضا من إحداث التنوير والتحديث اللازم في المجتمع المغربي.

المختار العروسي، عضو المجلس الوطني للحزب الاشتراكي الموحد

التأخر في تشكيل الحكومة نعمة.. لأن المواطنين اكتشفوا أن وجود مجلس النواب مثل عدمه

في ما يخص موقفي من تأخر التشكيل الحكومي لمرحلة ما بعد انتخابات 7 أكتوبر، فأنا اناقشها من عدة جهات، أولا أختلف تماما مع مصطلح البلوكاج السياسي أو الأزمة السياسية نتيجة تأخر الإعلان الرسمي عن تشكيل حكومة جديدة، لأن المغرب بالفعل لا يعيش أزمة سياسية بفعل تأخره في تشكيل الحكومة و المغاربة أيضا لا يلامسون ذلك، والدليل أن العلاقات الخارجية والسياسة الداخلية أيضا لم تتأثر لحدود الساعة ولو لدقيقة. فالمغرب في ظل غياب حكومة جديدة احتضن قمة عالمية حول المناخ والتأثيرات البيئية ميد كوب 22، وربط اتفاقيات ووطد علاقاته مع الدول الإفريقية، ولعب دورا هاما في إقناع هاته الدول بمغربية الصحراء، وحقق الأغلبية في المجلس الإفريقي، كما أنه استطاع أن يحافظ على جل علاقته مع كل الدول الخارجية. أما على المستوى الداخلي فالنظام السياسي يحافظ على ثباته واستقراره لدرجة لا أحد يشعر بتغيير إيجابي أو سلبي بسبب غياب حكومة رسمية تمثل واجهة الدولة المغربية.
كما يمكن أن أصرح بحقيقة ملموسة، أن التأخر في تشكيل الحكومة نعمة بالنسبة للمواطنين، لأنها اوضحت العديد من الأشياء من بينها  أن عملية اشتغال مؤسسة مجلس النواب من عدمها، لا يشكل أي شيء للنظام السياسي المغربي، فهو مجلس صوري، والدليل على ذلك ان غالبية الأحزاب المغربية لم تطالب بتشغيل هاته المؤسسة، رغم تأخر التشكيل الحكومي، ماعدا برلمانيين يمثلان  فيدرالية اليسار الديموقراطي الذين قام بتقديم طلب لرئيس مجلس النواب السابق بالدعوة الى عقد دورات مجس النواب، فكيف يعقل لأشخاص انتخبوا من أجل تقديم خدمات للمواطنين أن يتقاضوا أجورا شهرية دون القيام بتلك المهمات التي انتخبوا من أجلها؟ لهذا إن صح الأمر فالمرحلة السياسية الراهنة التي يعيشها المغرب وضحت بالملموس أن وجود الحكومة من عدمها تحصيل الحاصل.
من جهة أخرى يمكن اعتبار تأخر تشكيل الحكومي امتحانا بالنسبة للأحزاب السياسية التي حصلت على بعض المقاعد البرلمانية خلال الانتخابات التشريعية الأخيرة التي عرفت مقاطعة واسعة، وهذا الامتحان أفرز فشلا  سياسيا ذريعا لهاته الأحزاب، نظرا  لعدم قدرتها على خلق تحالفات سياسية تمكنها من قيادة المغرب خلال المرحلة القادمة، لأن منطق التعاقد والتحالف غير مبني على البرامج السياسية، وعلى الهوية الوطنية، بل مبنية على المصالح الذاتية لهاته التنظيمات وعلى إرضاء الأعيان داخل الأحزاب، وهو الأمر الذي يزيد من فقدان ثقة الشعب المفقودة أصلا تجاه هاته الأحزاب التي أعلنت عن إعدام اخلاقيات العمل السياسي التي من المفترض أن تتحلى به، خصوصا وأن مواكبة عملية التحالفات من عدمها أصبحت تعقد مع اشخاص بعينهم ولا بتنظيماتهم.

محمد بولعيش، مناضل يساري

من أحس بأزمة الحكومة هم الذين يوجدون في الصف الاستوزاري ينتظرون الغنيمة

منذ ما يقارب ثلاثة أشهر والمهتمون بالشأن السياسي ينتظرون المخاض «التفاوضي» وما سيسفر عنه، وطال الانتظار وكأن المولود الحكومي يتهيّب الخروج إلى النور، ودخلت العملية في ما أطلق عليه اسم «البلوكاج».. والواقع أن هذه التسمية مفترى عليها، لأن البلوكاج يستدعي الدخول في أزمة سياسية سيكون لها تأثير على الحياة العامة، وتداعيات على سير دواليب الدولة بهذا القدر أو ذاك.. والحال أن الحياة تواصلت على وتيرتها العادية المعتادة، في غياب الحكومة «الجديدة»، لكن بوجود حكومة تصريف الأعمال المتمادية في التصريف إلى أن تأتي الحكومة الجديدة القديمة.. من أحس بالأزمة هم أولئك الذين يوجدون في الصف الاستوزاري ينتظرون المناصب (والمكاسب) التي ستسند إليهم، أما المواطنون فكان ذلك آخر همٍّ يشغل بالهم. وقد يرجع ذلك في رأيي إلى: كون الحكومة -كل الحكومات باستثناء حكومة عبد الله إبراهيم، ونسبيا حكومة اليوسفي التناوبية- لا تحكم، وإنما تنفذ التعليمات والتوجيهات الآتية من الديوان الملكي مصدر الحكم الحقيقي. كون الحبال الموصلة إلى تشكيل الحكومة توجد بأيادٍ غير يدَيْ رئيس الحكومة المكلَّف الذي توضع في طريقه نحو «صنع» الحكومة عراقيل وحواجز تشكلها مختلف الأحزاب من تلقاء ذاتها أو مدفوعة إلى ذلك. كون العملية برمّتها لا مصداقية لها، لأن التهم المتبادلة بين «الزعماء» أنفسهم بالفساد والاتجار في المخدرات والريع سريعا ما تذوب دون أن تتحرك مساطر التحقيق والمتابعة في أمور بهذه الخطورة تطال «زعماء» سياسيين، مما يجعل المواطنين المتتبعين يعتبرونها تمثيلية لا غير..  
التشتت الحزبي والتشابه «البرنامجي» يجعل عملية التشكيل الحكومي في غاية الصعوبة، فلا البرامج برامج فعلية، ولا هي قابلة للتطبيق نظرا للائتلاف الواسع والمتناقض والعبثي الذي تقوم عليه الحكومة، ونظرا للإملاءات الخارجية من صناديق رهنت البلاد ديونا بعشرات الملايير من الدولارات. وقد ساهم النظام بتخطيط محكم في تذرِّي الحقل الحزبي .. كل هذا وغيره جعل المواطن ينظر إلى المسألة نظرة سلبية، يتمنى لو أُعْفِيَت البلاد من الحكومات والبرلمانات والمجالس المعيَّنَة وغيرها، لتربح خزينة الدولة بذلك الملايير بعدما أثبتت لا جدواها ولا دور فعليا لها سوى إعطاء البلاد صورة ديموقراطية غير حقيقية..
إن هاته المسألة تضيَع على البلاد وقتا ثمينا وتهدر إمكانات هائلة لا يحس بعبثيتها إلا من لا حس وطني له.. لهذا يمكن الحديث عن تأخر في تنصيب حكومة يجب أن توجد، لا عن بلوكاج أو أزمة لا أحد أحس ويحس بها..

عبد اللطيف اليوسفي، عضو المجلس الوطني للحزب الاشتراكي الموحد 

حالة «التجرجير» اليوم هي انعكاس للوضع السياسي بالمغرب قبيل 7 أكتوبر

يعتبر عبد اللطيف اليوسفي، عضو المجلس الوطني للحزب الاشتراكي الموحد، أن حالة ما يسميها «التجرجير» التي يعيشها المشهد السياسي اليوم في المغرب هي انعكاس لما وقع من ممارسات قبيل 7  أكتوبر وخلاله وبعده التي ردت المغرب إلى الوراء، وتجلى ذلك قبيل الانتخابات في إيهام الرأي العام المغربي بأن هناك ثنائية حزبية وصراعا محدودا بين مشروعين هما مشروع الإسلاميين ويمثله حزب العدالة والتنمية، ومشروع حزب الأصالة والمعاصرة الذي يمثل حداثة مكذوب عليها

* كيف تقرأ المشهد السياسي المغربي اليوم في ظل انتظار تشكيل الحكومة، وهو وضع لا يزداد إلا تعقيدا مع تسارع الأحداث؟
l دعني أشير أولا إلى أن أملا كبيرا كان ينتظره المغرب قبيل الإنتخابات الأخيرة لـ 7 أكتوبر 2016. غير أن ما وقع في هذه المحطة يدعو الجميع إلى وقفة تأمل بعدما وقعت الكثير من الممارسات قبيل 7 اكتوبر وخلاله وبعده ممارسات من شأنها أن تردنا إلى الوراء، لذلك فإن ما نعيشه اليوم ليس إلا انعكاسا طبيعيا وحتميا لما وقع، خاصة قبل الانتخابات وعند مسألة فرض ثنائية وهمية لم تكن لها صلة نهائيا بالفرز الطييعي السياسي على أرض الواقع. وهذه نقطة جوهرية يجب استحضارها وتتجلى هذه الثنائية في إيهام الرأي العام المغربي بأن هناك صراعا محدودا بين حزبين وبين مشروعين هما مشروع الإسلاميين ويمثله حزب العدالة والتنمية ومشروع يمثله حزب الأصالة والمعاصرة الذي يدعي الحداثة التي هي في تقديري حداثة مكذوب عليها. والحال أننا نعتبر أن الخطين معا هما وجهان لعملة واحدة، في وقت نلاحظ أن ما يقع اليوم، مما يمكن تسميته بالدارجة المغريية بـ«التجرجير»، ليس إلا كما قلت انعكاسا لذلك التصور الذي حكم الوضع السياسي قبل وخلال وبعد 7 أكتوبر. وبالتالي فالوضعية التي نوجد عليها الآن ينبغي أن نؤكد في شأنها على مسألة جوهرية وهي «الحق الطبيعي» لرئيس الحكومة المعين في أن يشكل حكومته بالطريقة التي يشاء ومع الحلفاء الذين يعتبرهم أقرب إليه، بعدما تبين أن هناك ضغوطات منذ تكليفه وتعيينه إلى اليوم لتشكيل تحالفات، لا أظن أنها التحالفات الطبيعية بالنسبة إلى رئيس الحكومة.

* في هذا السياق كيف تعلق على حدث شباط الأخير الذي قد يعصف بتحالفه مع بنكيران؟
l أعتقد أن تصريحات الأمين العام لحزب الإستقلال السيد حميد شباط حول العلاقة مع الشعب الموريطاني ومع الدولة الموريطانية وآخر التطورات في العلاقات المغريية الموريطانية هي بمثابة طريقة لتصفية الحسابات مع حزب الإستقلال بكامله الذي لا يراد له ان يدخل إلى الحكومة.

* من هي هذه الجهات التي لا تريد أن يدخل حزب الميزان إلى الحكومة؟
l هي نفس الجهة التي تمانع اليوم في دخول حزب الإستقلال إلى الحكومة، ومن غير شك فإن حزب التجمع الوطني هو من الأطراف الممانعة مع الأحزاب الإدارية الأخرى المحيطة به وكلها سائرة في هذا التوجه. ونحن في إطار ما سمي بالانسجام الحكومي نرى أن تاريخ حزب التجمع الوطني للاحرار يسجل بأن الحزب كان يدخل ويشارك في حكومات غير منسجمة وأغلب تلك الحكومات كان فيها حزب الاستقلال. وهذا ليس دفاعا عن حزب الاستقلال ولكن دفاعا عن التوجه وعن المنطق، علما أن ما أفرزته الانتخابات الأخيرة بالرغم من ملاحظاتنا عليها وما عرفته من تدخلات الإدارة في بعض من نتائجها. بالرغم من كل ذلك فنحن نقول إننا في وضع يقتضي بأن نفسح المجال للديمقراطية كي تنمو، وهذا يفرض إعطاء رئيس الحكومة المعين كل الشروط وتوفير كل الإمكانات ليشكل الحكومة التي يراها ملائمة ومنسجمة مع توجهاته، حكومة قمينة بأن تدبر معه المرحلة المقبلة. وأعتقد أن ما وصل إليه الوضع المؤسف اليوم يجعل حزب الاستقلال قاب قوسين أو أدنى من الخروج من معادلة الحكومة إلا إذا كان هناك في قرار مجلسه الوطني المنعقد يوم السبت 31 دجنبر بتكليف ثلاثة من أعضائه لمواصلة الحوار والمشاورات مع السيد رئيس الحكومة ما قد يشكل مخرجا من هذا الوضع. لكن أظن أن النقاش لم يكن أبدا حول السيد حميد شباط وإنما كان حول نهج حزب الاستقلال نفسه.

* ما هو في نظرك الحل للخروج من هذه الأزمة ووضع حد لما وصغته بحالة التجرجير؟
l كل ما نتمناه نحن هو أن يفسح المجال للحكومة بأن تتشكل في أقرب وقت ممكن وأن تمر إلى مرحلة تقدم لنا تقدم لنا فيها برامجها، لأن هذا هو الجوهر الذي نريده اليوم ويريده الفضاء السياسي المغريي يعني أن نناقش البرامج وليس الأشخاص او الأحزاب.

جليل طليمات، كاتب وناشط سياسي

استقلالية القرار الحزبي هي رهان كل انتقال ديمقراطي

 

* يعيش المغرب انتظارية قاتلة منذ عدة أشهر، أزمتها حالة الشلل التي تعرفها المؤسسات من حكومة وبرلمان وما يتلو ذلك من توابعهما، هذه الحالة زادت من جرعة عدم اطمئنان جزء كبير من المغاربة للمستقبل حيث يرون القادم أسوأ، وزادت من إحساسهم بعدم توفرهم على نخبة تدافع عن انتظاراتهم وتطلعاتهم. كيف تقرأ هذه الوضعية أستاذ جليل طليمات؟
l بعد أن أفرزت صناديق الاقتراع يوم 7 أكتوبر الماضي تصدر حزب العدالة والتنمية لنتائج هذا الاقتراع التشريعي، وبعد تعيين الملك للسيد عبد الإله بنكيران رئيسا للحكومة وكلفه بتشكيل حكومة جديدة طبقا لمنطوق الفصل 47 من الدستور، ساد ارتياح كبير لاحترام المنهجية الديمقراطية والنتائج الانتخابية. وعندما انطلقت المشاورات الأولية لرئيس الحكومة مع الأحزاب، بدا أن «حليمة لم تقطع مع عادتها القديمة»! فدخلت المشاورات في ما يسمى «البلوكاج» أو ما أسميه بـ «وضع العصي في العجلة» وتفاصيل ذلك معروفة، بدءا باستقالة أمين عام التجمع الوطني للأحرار السيد صلاح الدين مزوار، وانتظار عقد المجلس الوطني لهذا الحزب لتنصيب السيد عزيز أخنوش بديلا عنه، إلى أول لقاء بين رئيس الحكومة و«الزعيم الجديد» الذي اشترط فيه إبعاد حزب الاستقلال من التشكيلة الحكومية، دون أن ننسى إعلان تحالف برلماني بينه وبين حزب الاتحاد الدستوري، ثم  تنسيقه مع قيادة الاتحاد الاشتراكي!!      
لماذا هذا التذكير الموجز بوقائع باتت معروفة؟ هو من أجل التأكيد على أن وضعية ما بعد 7 أكتوبر هي وضعية مفتعلة هدفها الالتفاف على البعد السياسي لنتائج الانتخابات من جهة، وتشكيل حكومة لا تعكس تلك النتائج الانتخابية  من خلال الحضور القوي فيها للأحزاب التي نشأت ونمت، وشاخ بعضها في حضن السلطوية، من جهة ثانية ، وهكذا دخلت الوضعية في مفارقة عبثية، كل الأحزاب تريد الدخول لهذه الحكومة، ولكنها تتلكأ أحيانا، تتمنع أحيانا أخرى، تبتز بتنسيقات مثيرة «ببراغماتيتها» الفجة  (الاتحاد والأحرار)، وما عقد الأمر اشتراط أخنوش إبعاد حزب الاستقلال، ورغم أن هذا الكل راغب في المشاركة عجز بنكيران عن إعلان أغلبيته! وهذا وجه المفارقة الثاني، إلى أن جاءت زلة شباط التي مازلنا نعيش اللحظة تداعياتها. وباختصار إننا أمام وضعية إمعان أجهزة السلطوية في التدخل في الحقل الحزبي لأجل استدامة «ديمقراطية الضبط التحكمي» أو ديمقراطية الواجهة.
من هنا، فالمشكلة ليست في الزمن الذي استغرقته المشاورات، فذلك يحدث في الكثير من الديمقراطيات، وتشكيل حكومة اليوسفي استغرق أكثر من 40 يوما، كما أن المشكلة ليست في الدستور ولا في القوانين كما حاولت «ثرثرة» دستورانية إعلامية إيهامنا بذلك، إنها مشكلة عدم قطع الدولة نهائيا مع التدخل في «صنع الخرائط والتشكيلات» والتوازنات المفتعلة، رغم السياق السياسي والإقليمي الجديد، وضدا على نتائج الاقتراع التشريعي، فمادامت للسلطوية أدواتها الحزبية وبعض أعوانها في قيادات أحزاب أخرى، فإن العملية الديمقراطية برمتها والمؤسسات المنبثقة عنها تبقى غير ذات مصداقية في عيون أوسع فئات مجتمعنا، إن استقلالية القرار الحزبي اليوم أصبحت رهانا كبيرا وحاسما من رهانات الانتقال الديمقراطي.

* هل فعلا نعيش أزمة سياسية؟ علما أن المغرب خرج للتو من إصلاحات سياسية ودستورية تم الترويج أنها ستمنح دينامية وتحصن تدبير الشأن العام؟
l بناء على ما سبق  ذكره أعلاه، يصعب علي أن أجزم بأننا نعيش أزمة سياسية كما جاء في سؤالك، فمنذ بدء مشاورات تشكيل الحكومة الجديدة، لم نسمع بخلافات سياسية بين الفرقاء المعنيين، أو باختلافات في البرامج والتوجهات المزمع نهجها من طرف حكومة بنكيران في ولايته الثانية، ومن المفارقات أيضا، أن الذين عارضوا الحكومة السابقة في إجراءاتها الإصلاحية لصناديق التقاعد مثلا، ولصندوق المقاصة، وواجهوا عزمها رفع يدها عن التعليم والصحة الخ،  بلعوا ألسنتهم ولم يضعوا أي شرط سياسي برنامجي  للمشاركة !! والأفظع من ذلك أن  بعض القيادات الحزبية عارضت معارضة «إيديولوجية» قاسية وصارمة الحزب القائد للحكومة (البيجيدي)، نجدها قد  تبرأت من كل إيديولوجيا وشرعت تدق مختلف الأبواب لعلها تحصل على نصيب داخل الحكومة المنتظرة؟ وذلك ما نشأت عنه قناعة شعبية بأن الأحزاب تتصارع على اقتسام «غنيمة انتخابية» لا غير! من هنا، فالأزمة هي أزمة سلوك سياسي، وأداء حزبي، لنخب أفقدت الممارسة السياسية والحزبية مصداقيتها، وجردتها من القيم الأخلاقية والنضالية التي لا غنى عنها في نيل ثقة الشعب، وفي بناء مؤسسات سليمة وذات مصداقية، هي أزمة نخب حزبية قيادية فرطت في استقلالية القرار واختزلت النضال الديمقراطي في السعي نحو مواقع السلطة والقرار وبأي ثمن، ولو كان على حساب  وحدة وهوية  الحزب الذي تقوده، وبالأصح تتسلط على قيادته.

* هل المشكل في الدستور والقوانين التي صدرت، أم في النخب التي لم تتماشى مع التحولات لتواكب صيرورة التغيير؟ ما هو السبيل لعودة الثقة ومصالحة أوسع فئة من الشعب مع العمل السياسي؟
l باختصار، أقول إن استعادة ثقة الشعب في العملية السياسية الديمقراطية وفي المؤسسات، هي مسؤولية الجميع، دولة وأحزابا ومجتمعا مدنيا ومثقفين. فالانتقال إلى الديمقراطية كما هو متعارف عليها في التجارب الكونية، يتطلب منظورا شموليا للإصلاحات العميقة التي تهم تحديث المجتمع وثقافته، وتنمية الوعي السياسي في كل النسيج المجتمعي، فليس بإجراءات دستورية وقانونية وحدها يمكن أن يصير الاختيار الديمقراطي واقعا معيشا في جميع المجالات، وها هنا بالضبط الحاجة الماسة إلى نخب سياسية وحزبية ونقابية وجمعوية وثقافية جديدة من الأوساط الشبابية والنسائية، وإلا ستبقى الديمقراطية، كانتخابات وصناديق اقتراع تحت رحمة التجار والسماسرة والأعيان الفاسدين. ولعل أولى الأولويات، في هذا السياق مباشرة إصلاح عميق للمشهد الحزبي برمته، بعد أن بلغ الحضيض، إذ لا بناء للديمقراطية بدون أحزاب قوية وديمقراطية، وسيدة قراراتها المستقلة.           

نجيبة قسومي، عضو الهيئة التقريرية لفيدرالية اليسار

بنكيران مجرد قناة لتمرير المياه إلى مجاري السلطوية التي جفت بعد الحراك الفبرايري

أكدت نجيبة قسومي، عضو الهيئة التقريرية لفيدرالية اليسار، أن «الوضعية التي يعيشها المغرب اليوم هي وضعية  إعادة الصياغة ـ المخزن ـ يعيد ضبط المشهد السياسي على مقاسه، وهذا ليس سوى تكتيك محكم من المتحكمين في دواليب الدولة لإعادة ترسيخ مفهوم الدولة العميقة في ظل الضعف الذي يعاني منه الحزب الفائز في الانتخابات الأخيرة وعدم قدرته على العمل لبناء دولة المؤسسات وعلى رأسها المؤسسة الحكومية». وأضافت في حديثها مع «الوطن الآن» مؤكدة «طبعا، الأزمة التي يعيشها المغرب هي القطع مع المؤسسات والرجوع إلى نظام دار المخزن، وإعادة المياه إلى مجاري السلطوية التي جفت بعد خمس سنوات من صدور دستور 2011 لامتصاص حرارة الحراك الفبرايري، وهذا ما تأكد بالملموس بعد محطة الاستحقاقات التشريعية للسابع من أكتوبر من السنة المنصرمة».
وعن سؤال هل المشكل في الدستور والقوانين التي صدرت، أم في النخب التي لم تتماشى مع التحولات لتواكب صيرورة التغيير؟ قالت إن «المشكل له شقان، شق دستوري ويتجلى في الفراغ على مستوى القوانين التنظيمية حيث أن دستور 2011 لم يحدد العلاقة بين السلطة والمؤسسات، واختصاصاتها، أو كيفية تشكيلها، ولا حتى المدة المحددة لتشكليها، هذا من الجانب الدستوري، ومن جانب آخر هناك مشكل على مستوى النخب الموجودة في البرلمان، والنخب التى تتأسس منها الحكومة، فهم غير قادرين على اتخاذ القرار الصائب، وهو حل البرلمان وإعادة الانتخابات، بما أن رئيس الحكومة المعين غير قادر على تدبير تحالفات في المستوى لتشكيل الحكومة المغربية كما هو متعارف عليه في الدول الديمقراطية».
واقترحت نجية قسومي إمكانية إرجاع الثقة للمواطن من خلال القول بأنه «يجب على النخب السياسية والأحزاب المغربية القطع مع سياسة الخضوع للضغوطات الفوقية التي تعود بنا خطوات إلى الوراء، والعمل على ترسيخ دولة المؤسسات الحقيقية وتطبيق البرامج  الانتخابية، التي صوت عليها المواطنين وتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة  لكل من لم يلتزم بما له وما عليه».

حسن بوهريز، فاعل سياسي وبرلماني سابق

نريد تحالف الأفكار لا تحالف الكراسي!! 

يرى حسن بوهريز، فاعل سياسي وبرلماني سابق، أن المشاورات التي قادها بنكيران لتشكيل الحكومة ركزت على عدد المقاعد الوزارية أكثر من تركيزها على قيمة البرامج والتصورات والأفكار. مما آل إلى إنتاج العطب الحالي في مشهدنا السياسي

* كيف تقرأ من موقعك حالة التلبد التي تسود سماء المشهد السياسي المغربي، في ظل العجز عن تشكيل حكومة مستعصية..؟  
l يعيش المغاربة جميعا انتظارا شابه الترقب في البداية. ثم يشوبه التوتر الآن نتيجة غياب ميناء ترسو عليه سفينة متداعية إسمها حكومة بنكيران الثانية..!! المشهد السياسي مأزوم ومعطوب وينذر بانسداد كل آفاق الانفراج. وهذا الوضع يعكس بؤس السياسة في بلادنا. كما يجسد غياب الإحساس بمتطلبات المرحلة الحالية..!! إن إصرار رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران على فرض شروطه دون حكمة التنازل، ورغبته في الاستحواذ على النصيب الأكبر في كعكة الحكومة، دون إيلاء الاعتبار لتموقع الشركاء في التحالف، وضع بلادنا في منطقة رمادية متأرجحة بين خطوة نحو الأمام وخطوتين إلى الوراء..!! لقد بدا واضحا، منذ انطلاق المشاورات لتشكيل الحكومة الثانية للعدالة والتنمية، في نوفمبر من السنة الماضية، أن إخراج الحكومة إلى حيز الوجود سيواجه نفقا مسدودا ومظلما..!! وهذا ما حدث وما زال يحدث حتى الآن. وكثيرون من أدركوا من البداية أن عمر حكومة تصريف الأعمال سيكون طويلا جدا.  

* ما هي المؤشرات التي كانت تعكس تجليات «البلوكاج الحكومي»، من وجهة نظرك كناشط سياسي متتبع لأطوار ما سماه الشارع المغربي بـ«مهزلة صنع الحكومة»؟  
l في الواقع كل المؤشرات كانت تدل بجلاء على الأزمة الحالية، وكانت تقود إلى نفق «البلوكاج الحكومي». أولا: الاشتراطات التي كانت تصدر عن حساسيات شخصية لا عن مواقف تراعي مصلحة التحالف من أجل حكومة قوية وفعالة وناجعة. وقد رأينا خط سير المشاورات لتشكيل الحكومة، وهي مشاورات ركزت على عدد المقاعد الوزارية أكثر من تركيزها على قيمة البرامج والتصورات والأفكار.مما آل إلى إنتاج العطب الحالي في مشهدنا السياسي المشلول الأطراف..!! ثانيا: خروج صراعات الغرف المغلقة إلى العلن، وهذا أمر طبيعي لأن تشكيل الحكومة شأن عام يهم المغاربة جميعا. هذا العلن كشف عن عدم حكمة بنكيران في تدبير المشاورات وإنجاحها كما يفترض في رئيس حكومة حظي بثقة الملك. ثالثا: إن الصراع الذي تلهبه الخصومات الشخصية، والذي طال مختلف مراحل تشكيل الحكومة، أدى وضع العربة أمام الحصان. مما فاقم من حدة العجز. وقادنا إلى انتظار طويل مشوب بالتوتر. ولو أن رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران قاد مشاوراته لتشكيل حكومته الثانية بتغليب منطق تحالف الأفكار عوض تحالف الأرقام، لتفادينا مغبة تضييع الوقت السياسي. وأنقذنا الوضع السياسي من هذه الانتظارية القاتلة..!! لذلك يجب أن يكون واضحا أن حزب العدالة والتنمية هو من يتحمل مسؤولية وضع البلاد على كف عفريت.

* حسب تحليلك السالف الذكر، ما هي الفاتورة التي سددها وسيسددها المغاربة جراء هذا الوضع المتأزم الذي جعل البلاد بلا حكومة؟  
l بنكيران يتصرف كما لو أنه يريد حكومة على مقاسه هو وحزبه. والحال أن الحكومات تتأسس وفق تحالفات مبنية على المصلحة العامة للمغاربة لا على مصلحة حزبية ضيقة وأنانية..!! حتى التصريحات التي يطلقها رئيس «الحكومة المؤجلة» عبد الإله بنكيران، تعمل على صب الزيت في نار مشتعلة منذ البداية. ويفترض في رئيس حكومة معين من طرف الملك ان يتكلم بلغة مغايرة، ويدرك كيفية تدبير الأزمات بحكمة وروية واتزان. لأن التلاسن العلني يعطي للرأي العام انطباعات سيئة لا تليق أبدا في ظروفنا الراهنة..!! الشعب المغربي يدفع كل يوم فاتورة هذا «البلوكاج الحكومي». والشارع الوطني مل من انتظار حكومة أبت أطماع البعض أن تطلق سراحها من سجن الانتظار..!! البلاد كلها في حالة غيبوبة سياسية مفتحة العينين.والمجهول هو سيد الموقف. ولا أحد سوى بنكيران يعرف متى سيتم إنقاذ المغرب والمغاربة من حالة الانسداد في شرايين الشروع في تدبير المرحلة المقبلة..!! صحيح أن حكومة تصريف الأعمال تواصل مهامها. لكن ثمة أسئلة محيرة يجب أن يجيب عنها بنكيران: هل تملك حكومة تصريف الأعمال صلاحيات تدبير الملفات الكبرى..؟!  هل يعمل وزراء حكومة تصريف الأعمال وفق الانتظارات المأمولة في ظل هذا الفراغ الحكومي!؟ هل تخضع حكومة تصريف الأعمال لمنطق الاستمرارية أم منطق القطيعة..؟! إننا نجتاز مرحلة سياسية عصيبة بكل المقاييس.ويجب الخروج منها بأقصى سرعة حتى لا نستمر في دفع الثمن الباهظ!!  

* في حالة استمرار عوامل تعويق خروج حكومة بنكيران الثانية إلى حيز الوجود السياسي، نتيجة استمرار أسباب العطب، ما هو السيناريو المقبل في رأيك؟
l أعتقد أن المشهد السياسي المغربي لن يجد نفسه مضطرا لسيناريو بديل كرد على تأزم عملية بناء تحالف تشكيل الحكومة. بوادر الانفراج لا تلوح في سماء الانتظار. هذا صحيح. بيد أن الواقع يقتضي خروج الحكومة من قمقم الانحباس خلال أيام مقبلة. وطبعا في حالة استمرار حالات المد والجزر،سيكون الحل الوحيد هو إعفاء رئيس الحكومة من مهامه،وحل البرلمان،والدعوة إلى انتخابات تشريعية سريعة. وكما تلاحظون فإن أزمة تشكيل الحكومة لها تداعيات كثيرة ومتعددة تمس المواطن المغربي، وتؤثر سلبا على تموقع الأحزاب، وتضع المشهد السياسي الوطني في أفق مأزوم حقا.  

* هل مسألة انتشار أدبيات العدالة والتنمية في الشارع المغربي له علاقة وطيدة برفض رئيس الحكومة تطبيق معيار التنازل أمام الأحزاب الأخرى لتسريع تشكيل الحكومة،والخروج من حالة الترقب والانتظار؟
l بكل تأكيد.. إن فوز حزب العدالة والتنمية في انتخابات السابع من أكتوبر، جعل هذا الحزب يتبنى منطق التشبث بمواقفه وآرائه منذ اليوم الأول لانطلاق مشاورات تشكيل الحكومة. وأعتقد شخصيا أن هذا الأمر له انعكاسات سلبية سواء على صعيد الحزب نفسه،أو على مستوى المشهد السياسي برمته. وأعود لأوضح من جديد إن الحكومات تتأسس على منطق التحالف في الأفكار والبرامج.لا على منطق التحكم وفرض الأمر الواقع. وهذا ما لم يستوعبه رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران.وهو ما أدى فعلا إلى هذا الجمود الذي ندفع ثمنه جميعا..

  • أنفاس بريس :  أعد الغلاف: هشام ناصر - أحمد فردوس - حسن بيريش - أسبوعية :«الوطن الآن» (العدد: 687 - الخميس 05 يناير 2016)
  • طباعة
  • أرسل إلى صديق
آخر تعديل على الإثنين, 09 كانون2/يناير 2017 10:38
قيم الموضوع
(0 أصوات)

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*)



المقدم التونسي ب ”بين سبور” يحتقر صحفيا مغربيا.. لا تقارن نفسك بمحللي بي إن سبورت

HDVS_CATEGORY: أنفاس TV

الكيحل:ولاية جهة البيضاء سطات تتحمل المسؤولية في الفوضى التي يتخبط فيها قطاع سيارات الأجرة

HDVS_CATEGORY: أنفاس TV

عموري: لا يعقل تفويت ملعب الرشاد البرنوصي عمره 60 سنة ليصبح "كَاراج" لشركة "الترامواي"

HDVS_CATEGORY: أنفاس TV

صرخة مواطن بسبب قساوة الطقس وشدة البرودة بإملشيل

HDVS_CATEGORY: أنفاس TV

إرهابيان مسلحان يفجران نفسيهما خلال عملية أمنية بالسعودية

HDVS_CATEGORY: أنفاس TV

هذه رسالة فيصل فجر للمغاربة و "ناس إيفران"

HDVS_CATEGORY: أنفاس TV

حاليا في الأكشاك

une-Coul-688

  • الأكثر مشاهدة
  • سحابة كلمات