أين وصل "زواج" آلة القانون مع آلة لوتار المغربية العيطية؟

عابدين يرافق الأستاذ عبد الحق العز على آلة القانون (يمينا) والمايسترو عبد الدايم يؤكد على زواج لوتار بآلة القانون عابدين يرافق الأستاذ عبد الحق العز على آلة القانون (يمينا) والمايسترو عبد الدايم يؤكد على زواج لوتار بآلة القانون

تعتبر آلة القانون الموسيقية، من بين الآلات الوترية الجميلة، التي تسافر بالأذن عبر أزمنة الموسيقى الساحرة، وتقرب المسافات التاريخية، وتعيد تخطيط خرائط جغرافيا حضارة الإنسان العربي، آلة القانون قادرة على ضبط نبض توحيد التعدد الإبداع الفني من الماء إلى الماء، وتعيد ضبط عقارب النغم بأنامل الموسيقيين لاستنهاض موروثنا الثقافي والفني وإعطاءه المكانة التي يستحق، لأن البنية النغمية للعيطة ذات أصل عربي (مقام الحجاز/ والبياتي/ والعجم....)، من هذا المنطلق تطرح "أنفاس بريس" البعض من أسئلتها، على شيوخ العيطة بأسفي.

أين وصل هذا السبق الفني والإبداعي المتميز؟ ولماذا لم تستمر المبادرة الفنية المرتبطة بإدماج آلة القانون ضمن القطع الجديدة "مواليد" الإبداع الفني لمجموعة الشيخ جمال الزرهوني؟ وحتى لا ننسى أذكر اصدقائي الفنانين والمبدعين بما أنجز من أعمال في هذا السياق، على اعتبار أن عملكم كان سابقة في تاريخ الموروث الموسيقي الشعبي وقيمة مضافة لهذا النمط الغنائي على مستويات المتن العيطي والبنية اللحنية والإيقاعية.

اختار أعضاء جمعية شيوخ العيطة بأسفي برئاسة الفنان جمال الزرهوني الإضافة الوازنة لآلة القانون ضمن الآلات الوترية والإيقاعية لفن العيطة، وأن يسلكوا طريق التكوين الموسيقي الأكاديمي في خدمة تراث العيطة من الناحية الموسيقية كتدوينها وتوثيقها وإغنائها بالآلات المنسجمة مع بنيتها النغمية انسجاما تاما، وحفظها وتحصينها، وتقديمها في كل المناسبات بما فيها اللقاءات الفكرية والثقافية والفنية كما يؤكد ذلك الأستاذ عبد الحق الوردي، العازف على آلة القانون ضمن المجموعة، خلال الدورة الرابعة لمهرجان لوتار بمدينة سطات، الذي تنظمه جمعية المغرب العميق لحماية التراث.

لن يختلف المتتبعون للإبداع الموسيقي المغربي في شقه التراثي أن إضافة آلة القانون على الآلات الوترية والإيقاعية لفن العيطة خلال محطة مهرجان العيطة بأسفي سنة 2013، وخلال مهرجان لوتار في نسخته الرابعة الذي تنظمه جمعية المغرب العميق لحماية التراث صيف 2014، سابقة في تاريخ الموروث الموسيقي الشعبي وقيمة مضافة لهذا النمط الغنائي على مستويات المتن العيطي والبنية اللحنية والإيقاعية فضلا عن تقاسم آلة لوتار وآلة القانون لنفس المكونات والبنية الموسيقية (جلد/ خشب/ أوتار)، على اعتبار أن فن العيطة يزخر بالعديد من المقومات السابقة الذكر، وإذا كانت آلة لوتار هي في العمق التاريخي شبيهة بآلة العود واستطاعت أن تفرض نفسها وتحصن ذاتها رغم أنها لم تخضع للتطوير كما وقع لآلة العود التي كان لها وجها من مادة الجلد حيث كان يعتقد بأن الجلد هو موصل صوتي بامتياز، فالفضل يرجع إلى البنية النغمية للعيطة على اعتبار أنها ذات أصل عربي (مقام الحجاز/ والبياتي/ والعجم ....).

من هذا المنطلق أسست مجموعة الشيخ جمال الزرهوني للعيطة هذه الإضافة بتنسيق مع الأستاذ الموسيقي عبد الحق الوردي الدارس للموسيقى العربية والمتخصص في آلة العود، حيث يؤكد هذا الأخير أن "إضافة آلة القانون ضمن الآلات الوترية والنغمية والإيقاعية لفن العيطة هو عمل جدي وهادف من أجل رد الاعتبار لهذا النمط الغنائي الذي عانى من التهميش وألصقت به العديد من النعوت القدحية وتسربت إليه الكثير من الكلمات والجمل الغنائية الساقطة لتشويهه وإقصائه كفن وتراث موسيقي شاهد على عمق الحضارة المغربية التي تمتاز كونها أنتجت آلة لوتار المغربي، بل إنه حوصر في مجال محدود ليقتصر استهلاكه فقط في البوادي"، ما يؤكد ذلك أن أغلب أساتذة الموسيقى لم يتناولوا مقومات فن العيطة من حيث البحث والدراسة الموسيقية وتفكيك بنيته النغمية، ولم يفسحوا له المجال للتداول داخل الملتقيات الثقافية ذات التخصص الموسيقي لإبرازه علميا وثقافيا ونظريا، مما جعله متقوقعا ولم يخضع للتطور إن على مستوى الكتابة الموسيقية أو تقديمه كمنتوج تراثي في قالب جديد يتيح استهلاكه كما تستهلك بعض الأنماط الغنائية الأخرى (الملحون / الأندلسي / الغرناطي ...).

ونتساءل، هنا والآن، أليست العيطة غناء نابعا من عمق تاريخ المجتمع المغربي بكل روافده الغنية والمتعددة تراثيا، ألا تتضمن العيطة نصوصا شعرية خالية من الكلام الساقط وتختزل كما هائلا من الوثائق التاريخية والصور الشعرية والجمالية والاجتماعية والأمثال والحكم الشعبية الجميلة التي أفرزها المجتمع المغربي؟؟؟

إن الاستماع للأغاني العيطية بعد إدماج آلة القانون العربية بامتياز (خويتمو في يديا وحكامو عليا/ السبتي مولا باب لخميس/ كاسي فريد/ العمالة....) يؤكد أن العيطة المغربية مثلها مثل الأنماط الغنائية التي استفادت من تاريخ نشأة الأنماط الموسيقية المغربية (الأندلسي/ الملحون/ الغرناطي/ والأمازيغي والحساني...) وتطور أشكالها الموسيقية عبر الزمن من خلال تلاقح موسيقى الآلة الوافدة من الأندلس مع آلة الكمان وآلات موسيقية أخرى، توظيف آلة الكمان من طرف شيوخ العيطة رفقة آلة لوتار بعد التعرف عليها.

إن الآلة الموسيقية لا تمس جوهر التراث بل تكمل دور الحنجرة البشرية التي تعتبر أول آلة موسيقية في الوجود بطبقاتها الصوتية المتنوعة، حيث يشترط الأستاذ عبد الحق الوردي شرطا أساسيا لتلقي فن العيطة بلبوسها الحداثي والأصيل والمتجدد ويتعلق الأمر بشرط توفر "روح حقيقية للعازف متشبعة بالموسيقى ومتحكما في المسافات الصوتية ومدركا وملما بكل المحطات الغنائية العيطية وحافظا لمتونه".. من هنا يترافع ذات المتحدث باستماتة على أن "المقامات الموسيقية التي بنيت عليها العيطة كفن تراثي هي نفسها التي تأسست عليها الموسيقى العربية حيث يعطي مثالا بعيطة" خويتمو في يدا وحكامو عليا"، المؤسسة على مقام حجاز، وعيطة "غزيل" على مقام بياتي الذي تعزف عليه أغنية "ابعث لي جواب وطمني".

أكيد أن الغنى والتنوع الذي تكتنزه الموسيقى المغربية نابع من انفتاحها عبر التاريخ على المكون الإفريقي والأندلسي في بعده الاجتماعي واللغوي والجمالي والسيكولوجي، وكذا البعد الرمزي الذي هو عمق المكون التاريخي، حسب العديد من الباحثين، حيث تعتبر آلة لوتار بمختلف أنواعها وأشكالها وأحجامها (4/4 ـ 2/4..) وفق الهندسة الحرفية للصانع المغربي (شكل الإجاصة/ الفراشة/ الأفعى...)، حسب خصوصية المجال الجغرافي وثقافته الشعبية ومورثه التراثي، (الحصبة/ الأطلس/ الريف/ الصحراء)، الضامنة لعملية التأثر والتأثير بين العديد من المناطق المعروفة بمحافظتها على آلة لوتار (أسفي/ بني ملال/ خنيفرة/ بن أحمد.....).

من هذا المنطلق يمكن اعتبار آلة لوتار أنها مؤسسة للوجود وترمز للولادة والاستمرارية وتقاوم النسيان فضلا على أنها الآلة الشعبية التي لم تخضع للتغير وستبقى وفية لشكلها وإن تغيرت المضامين نتيجة البيئة المحيطة بها، بل إن توظيفها في مختلف الأنماط العيطية كآلة وترية أساسية لمساهمتها الجلية في إبراز كل مكونات الحضارة المغربية، علاوة على أن لوتار ليس بآلة عادية، حيث أنه استطاع تخليد نفسه من خلال المكون الاجتماعي كذلك، وحسب بعض الإحصائيات التي أدلى بها الأستاذ المقتدر إدريس الكايسي سابقا فإن عدد العازفين على آلة لوتار يتعدى اليوم 524 عازف فضلا عن حضور العزف النسائي الذي بدوره سجل تزايدا ملحوظا (500 عازفة).

لكن السؤال المقلق، هو لماذا لم تستفد العيطة من الآلات الموسيقية العصرية وخصوصا آلة القانون، التي تتقاسم مع آلة لوتار مجموعة من المكونات، حيث يحضر القانون كآلة تم توظيفها في فن الملحون والغرناطي ولم تستفد منها العيطة بمختلف روافدها المجالية رغم أن آلة لوتار وظفت وقدمت خدمات جليلة للأغنية العصرية المغربية (أغنية البوهالي لعبد الهادي بلخياط، الغربة والعشق الكادي للغاوي من تلحين الأستاذ محمد بلخياط الذي أدخل آلة لوتار ضمن الأغاني العصرية التي استفاد من النغم التراثي بفضل هذا الأخير، وأغنية الفنانة مقدادي).

  • أنفاس بريس :  أحمد فردوس
  • طباعة
  • أرسل إلى صديق
آخر تعديل على الإثنين, 02 كانون2/يناير 2017 11:03
قيم الموضوع
(0 أصوات)

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*)



المقدم التونسي ب ”بين سبور” يحتقر صحفيا مغربيا.. لا تقارن نفسك بمحللي بي إن سبورت

HDVS_CATEGORY: أنفاس TV

الكيحل:ولاية جهة البيضاء سطات تتحمل المسؤولية في الفوضى التي يتخبط فيها قطاع سيارات الأجرة

HDVS_CATEGORY: أنفاس TV

عموري: لا يعقل تفويت ملعب الرشاد البرنوصي عمره 60 سنة ليصبح "كَاراج" لشركة "الترامواي"

HDVS_CATEGORY: أنفاس TV

صرخة مواطن بسبب قساوة الطقس وشدة البرودة بإملشيل

HDVS_CATEGORY: أنفاس TV

إرهابيان مسلحان يفجران نفسيهما خلال عملية أمنية بالسعودية

HDVS_CATEGORY: أنفاس TV

هذه رسالة فيصل فجر للمغاربة و "ناس إيفران"

HDVS_CATEGORY: أنفاس TV

حاليا في الأكشاك

une-Coul-688

  • الأكثر مشاهدة
  • سحابة كلمات